حميد غونو
الغريب أن موضوع منير ليموري عمدة طنجة اكتسى أهمية بالغة في الإعلام، وكأن القضية لم تعد مجرد بحث قضائي في واقعة انتخابية محددة، بل تحولت، في ظرف قياسي، إلى محاكمة إعلامية كاملة الأركان، لها متهم مفترض، وحكاية جاهزة، وخلاصات تستبق ما لم تقله قاعات التحقيق بعد.
والأغرب أن اسم منير ليموري أصبح في بعض التغطيات أكبر من الواقعة نفسها.
نحن أمام بحث قضائي مفتوح بشأن أوراق انتخابية ضبطت في محيط مكتب للتصويت بمدرسة القدس في طنجة. النيابة العامة أعلنت توقيف خمسة مشتبه فيهم، وقالت إن الأبحاث الأولية كشفت معطيات تتعلق بإخراج أوراق التصويت وإعادتها إلى مكاتب الاقتراع، وإن نوع الحبر المستعمل في الأوراق المضبوطة يختلف عن الحبر المستعمل في مكاتب التصويت. كما أعلنت أنها تسعى إلى تحديد جميع المسؤوليات والظروف المحيطة بالواقعة.
هذه وقائع خطيرة، نعم.
لكن الخطورة شيء، والإدانة شيء آخر. وبينهما تقف العدالة بكل ثقلها، لا الصحافة، ولا شبكات التواصل الاجتماعي، ولا شهية المتابعين للقصص المثيرة.
منير ليموري يوجد اليوم في قلب هذا الملف، وهو عمدة طنجة ومسؤول حزبي معروف، وقد تم الاستماع إليه بعد عودته من إسبانيا، حيث كان قد نفى قبل ذلك أن يكون سفره فرارا من القضاء، وقال إن سفره ارتبط بالتزامات مهنية وشخصية.
حيث يصبح التساؤل مشروعا، لماذا كان لزاما على الرأي العام أن يتعامل مع سفر رجل معروف بأنه هروب، قبل أن تقول النيابة العامة كلمتها.
لقد عاد الرجل.
لم يعد عبر منفذ سري، ولم يظهر في بلد بعيد بعد اختفاء غامض. عاد إلى طنجة، ووجد نفسه أمام سلطات بلاده، التي استمعت إليه في إطار البحث القضائي.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن العودة تثبت البراءة، كما لا يعني أن السفر إثبات للهروب.
هذه بديهيات قانونية، لكنها تصبح في لحظات الانفعال السياسي والإعلامي من أكثر البديهيات التي تحتاج إلى من يذكر بها.
ثم إن ثمة تفصيلا يستحق الانتباه، يتعلق بالواقعة الانتخابية نفسها، إذ من المطقي أن يكون لها أطراف وأسماء ومسؤوليات متعددة، وقد نشرت وسائل إعلام معطيات تفيد بأن الأوراق المضبوطة كانت تحمل علامات لفائدة لائحة الأصالة والمعاصرة، كما أشارت تغطيات سابقة إلى الاستماع إلى عبد اللطيف الغلبزوري، وكيل اللائحة المحلية للحزب في الدائرة.
فلماذا تختزل الحكاية في شخص واحد؟
ولماذا يصبح اسم العمدة عنوانا للقضية، بينما يفترض أن يكون السؤال القضائي أوسع، من أخرج الأوراق؟ من أدخلها؟ من أمر؟ من نسق؟ من استفاد؟ وهل توجد علاقة مثبتة بين كل هذه الحلقات؟ وما طبيعة الأدلة التي يمكن أن تربط كل شخص بالفعل المنسوب إليه؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغل الرأي العام.
أما تحويل المسؤولية السياسية أو الحزبية إلى مسؤولية جنائية، فذلك أمر لا تحسمه الصفات ولا المناصب ولا الانطباعات، وإنما الأدلة والقانون والقضاء.
ومنير ليموري ليس فوق القانون، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. لكنه أيضا ليس تحت القانون.
أي أنه، مثل أي مواطن، لا ينبغي أن يكون محكوما قبل أن يحاكم، ولا مدانا قبل أن تستكمل إجراءات البحث والتحقيق والدفاع.
والحراسة النظرية، مهما كانت أسبابها القانونية، ليست حكما بالإدانة.
والإحالة على القضاء ليست إدانة.
وفتح التحقيق ليس إدانة.
حتى الاتهام نفسه ليس إدانة.
هذه ليست عبارات دفاع عن شخص بعينه، وإنما هي أبجدية دولة القانون.
السؤال الحقيقي هو:
هل يكون البحث القضائي بحثا عن الحقيقة، لا بحثا عن رأس يصلح لأن يوضع في مقدمة المشهد؟
هل تظل المسؤولية فردية ومبنية على الأدلة، أم يصبح الموقع السياسي قرينة إضافية؟
وهل تستطيع الصحافة أن تترك للقضاء المساحة التي يحتاجها لكي يعمل، بدلا من أن تحول كل تسريب وكل معلومة أولية إلى خاتمة نهائية؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجا.
لماذا تبدو بعض الأصوات وكأنها تستقبل توقيف شخصية عامة بنشوة لا علاقة لها بمصير العدالة؟
لماذا تتحول الحراسة النظرية إلى مناسبة للتشفي؟
هل نحن أمام بحث عن الحقيقة، أم أمام رغبة في رؤية شخص يسقط؟
الفرق بين الأمرين كبير.
ومن حق المجتمع أن يطالب بكشف الحقيقة كاملة في كل ما يتعلق بنزاهة الانتخابات. بل إن نزاهة الاقتراع ليست مسألة حزبية ولا تخص لائحة بعينها، إنها ملك للناخبين جميعا. وإذا ثبت وجود تلاعب بالأوراق الانتخابية، فيجب أن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته تبعات فعله، أيا كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
لكن نزاهة الانتخابات لا تحمى بمحاكمة إعلامية.
تحمى بقضاء مستقل، وببحث دقيق، وبأدلة واضحة، وبمسؤوليات محددة.
وإذا كانت الدولة تريد أن تقنع المواطن بأن الانتخابات ليست مسرحا معدا سلفا، فإن أفضل ما يمكنها أن تفعله هو أن تجعل التحقيقات شفافة في حدود القانون، وأن تترك النتائج للقضاء، وأن تمنع تحويل أي شخص إلى كبش فداء لتطمين رأي عام غاضب.
فليس من العدالة أن يحتاج النظام الانتخابي إلى متهم لكي يستعيد صورته.
ولا ينبغي لنزاهة الاقتراع أن تبحث عن كبش فداء.
ينبغي أن تبحث عن الحقيقة.
وإذا كان منير ليموري مذنبا، فليقل القضاء كلمته، ولتكن الكلمة نافذة على الجميع.
وإذا لم تثبت مسؤوليته، فليكن ذلك أيضا واضحا، بلا مواربة ولا اعتذار متأخر.
أما أن يتحول الرجل، في بضعة أيام، من عمدة مدينة إلى عنوان لفضيحة انتخابية، ومن شخص مسافر إلى هارب، ومن مشتبه فيه إلى مدان في المخيال العام، فذلك هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن نتوقف عنده.
فالعدالة لا تقاس بعدد الذين نصفق لسقوطهم.
تقاس بقدرتها على أن تقول، في الوقت المناسب، وبالأدلة اللازمة، هذا ما ثبت، وهذا ما لم يثبت.
وما بين الاثنين مساحة اسمها دولة القانون.

