وطن 24 من الرباط
في عُرف السياسة، يُبنى المجد لبنة لبنة عبر سنوات من التدرج والصبر، غير أن الانهيار قد لا يستغرق أكثر من عطلة نهاية أسبوع.
وما بين التعيين الملكي والإعفاء السريع، تجرّعت القيادية الاستقلالية مديحة خيير مرارة السقوط الحر، متحولةً في ظرف 120 ساعة من نجمة تتسيد المشهدين الحكومي والنيابي، إلى “حِمل ثقيل” يسابق رفاقها الزمن للتخلص منه، في سابقةٍ رجّت أركان أقدم الأحزاب المغربية ووضعت بوصلته التقييمية في مرمى النيران.
ولعل تتبع تفاصيل هذه الأيام الخمسة العاصفة، يكشف كيف تحولت نشوة الاحتفال بالحقيبة الوزارية إلى كابوس سياسي مكتمل الأركان.
سقوط حر ومجد تبخر
ولم تكد تمضي ثلاثة أيام على إعفائها المدوي من حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، حتى وضعت خيير (51 عاماً)، اليوم الأربعاء، نقطة النهاية لمسارها التشريعي، مُقدّمةً استقالتها الرسمية من مجلس النواب.
غير أن خطوة التخلي هذه لم تأتِ طواعيةً، بل كانت إذعانا لطلب صارم ومباشر من الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، في محاولة مستميتة لتطويق أزمة سياسية أحرجت الحزب أمام أعلى سلطة في البلاد وأمام الرأي العام.
وبالعودة إلى بداية القصة التي حُبست لها الأنفاس، فقد مثلت خيير يوم الجمعة الماضي بين يدي الملك محمد السادس، لتؤدي اليمين الدستورية كوزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل. حينها، بدت وكأنها تقطف ثمار فوزها الانتخابي الساحق في دائرة بني ملال بأكثر من 21 ألف صوت، وتُتوج مساراً زكّاه الحزب نفسه بمنحها رئاسة “الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية” قبيل التعيين الحكومي.
بيد أن المفاجأة زلزلت الأوساط السياسية يوم الأحد، بصدور بلاغ ملكي يقضي بإعفائها الفوري، بناءً على طلب من رئيسة الحكومة استناداً إلى الفصل السابع والأربعين من الدستور، لتُسجل بذلك كأقصر الوزراء عمراً في تاريخ الحكومات المغربية.
صندوق أسود ينفجر
ولم يكن هذا الزلزال سوى ارتدادٍ لـ”أشباحٍ” انبعثت فجأة من أرشيف عام 2004، حيث طفت على السطح معطيات ملف قضائي غابر، مدعومة بوثيقة طبية منسوبة للوزيرة المعفاة.
ورغم لجوء الجهات الرسمية إلى الصمت المطبق حيال تفاصيل الملف، فإن شرارة التسريبات كانت كفيلة بإشعال حرائق سياسية طالت ألسنتها قيادة الحزب ذاته؛ إذ تعالت الأصوات المتسائلة، بنبرة ملؤها الاستنكار والاستفزاز: كيف تعبر مرشحةٌ تلاحقها شبهات من هذا العيار، أدق الفلاتر الحزبية لتُقترح لمنصب سيادي؟ وأين كانت أعين القيادة حينما دفعت باسمها لرئاسة الحكومة ومن ثم إلى القصر الملكي؟
وأمام هذا الإحراج البالغ الذي وضع مصداقية الحزب العريق على المحك، وجدت القيادة نفسها مجبرة على التدخل العاجل لوقف النزيف، ولو تطلب الأمر التضحية بأبرز أوراقها الانتخابية.
مقصلة الرفاق وسياسة “البتر السريع”
وأمام فداحة الموقف، لم تجد قيادة “الميزان” بداً من اللجوء إلى سياسة “البتر السريع”. ففي اجتماع عاصف يوم الإثنين الماضي، ترأسه بركة شخصيا، جُردت خيير من رئاسة الفريق النيابي لصالح رحال المكاوي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فبينما كان القانون يمنحها ثغرة للتشبث بمقعدها البرلماني لكون إعفائها تم قبل استكمال إجراءات إسقاط العضوية بداعي التنافي، أصرّت القيادة على انتزاع استقالتها البرلمانية، تمهيداً لإحالتها على المحكمة الدستورية وإعلان شغور مقعدها.
وبهذا الإبعاد القسري المزدوج، سعت القيادة لطي الصفحة بأخف الأضرار الممكنة، لكن الجرح الذي خلفته هذه الواقعة فتح باباً واسعاً لمساءلة الذات الحزبية ووضع آليات التزكية تحت المجهر.
كبش فداء أم خطيئة هيكلية؟
واليوم، ومع إسدال الستار على واجهتها النيابية والحكومية، تتقلص المساحات أمام خيير داخل بيتها الحزبي؛ حيث تُطبخ في الكواليس ضغوطات متصاعدة لإجبارها على التخلي عن عضويتها في “اللجنة التنفيذية” ومغادرة الحزب نهائياً.
وإلى أن ينجلي غبار هذه المعركة التنظيمية، يبقى التساؤل الحارق معلقاً في سماء المشهد السياسي المغربي: هل يكفي تقديم مديحة خيير كـ”كبش فداء” لغسل يدي الحزب من خطيئة سوء التقدير، أم أن هذه الفضيحة كشفت العورة الهيكلية لآليات اختيار النخب، حيث تُوزع التزكيات بمنطق الولاءات والأصوات، قبل أن تفضحها صناديق الأرشيف عند أول منعطف؟
ومهما تكن مآلات هذه القضية، فإن “عاصفة الـ120 ساعة” ستظل محفورة في الذاكرة السياسية كأقوى جرس إنذار يُقرع في وجه الأحزاب المغربية، ليذكرها بأن الطريق إلى المناصب العليا لم يعد سالكاً بالولاءات وحدها، وأن زلات الماضي لا تسقط بالتقادم السياسي.

