أظهرت التطورات الدبلوماسية الأخيرة مؤشرات واضحة على تراجع في المواقف التقليدية لكل من الجزائر وجبهة البوليساريو بشأن نزاع الصحراء المغربية، وذلك تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية الدولية المتزايدة، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي الحازم.
وفي خطوة غير مسبوقة، أوفدت الحكومة الجزائرية وزير خارجيتها أحمد عطاف للمشاركة في المحادثات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد يوم الأحد 8 فبراير 2026، والتي خصصت لمناقشة ملف الصحراء المغربية. وتأتي هذه المشاركة لتكسر عقيدة الرفض التي تبنتها الدبلوماسية الجزائرية لسنوات طويلة، حيث كانت تصر دائما على أنها “ليست طرفا” في النزاع، وتدعو حصرا إلى “مفاوضات مباشرة” بين المغرب والبوليساريو، وهو الموقف الذي تمسكت به حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر الماضي.
وبالموازاة مع التحول الجزائري، رصد المراقبون تغيرا لافتا في موقف جبهة البوليساريو، حيث عقد وفد منها اجتماعا في مدريد يوم الخميس الماضي مع ممثلين عن الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني. ويمثل هذا اللقاء تراجعا صريحا عن قرار “تعليق الاتصالات” مع الحكومة الإسبانية والحزب الاشتراكي، الذي كانت الجبهة قد أعلنته في أبريل 2022 احتجاجا على دعم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لمخطط الحكم الذاتي المغربي.
ويربط محللون هذه “التنازلات التكتيكية” بالدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. فقد استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في 7 يناير الماضي مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تلتها زيارة لوفد من البوليساريو إلى واشنطن في 23 من الشهر نفسه. وخلال هذه اللقاءات، أعادت إدارة ترامب التأكيد بوضوح على أن الحل الوحيد للنزاع يكمن في إطار السيادة المغربية ومخطط الحكم الذاتي، وهو الموقف الذي تم تثبيته رسميا في مجلس الأمن يوم 26 يناير.
ولم تكتف واشنطن بالرسائل الدبلوماسية، بل لوحت بعصا العقوبات وتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية. وفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ يوم 3 فبراير، وجه روبرت بالادينو، المسؤول في الخارجية الأمريكية، انتقادات للجزائر بسبب صفقات التسلح مع روسيا، فيما أشار السيناتور تيد كروز إلى وجود روابط بين البوليساريو وإيران ونشاطات إرهابية في الساحل، كاشفا عن مبادرة تشريعية لتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية أجنبية.
ويبدو أن هذه الضغوط المتزامنة قد قلصت هامش المناورة لدى الجزائر والبوليساريو، دافعة إياهما إلى البحث عن مخارج دبلوماسية عبر البوابة الإسبانية، في محاولة للتكيف مع موازين القوى الجديدة التي تفرضها الإدارة الأمريكية.

