تستعد مدينة طنجة لاحتضان عرض مسرحي يستحضر تاريخ القدس وما تختزنه من ذاكرة دينية وثقافية وسياسية، من خلال عمل للكاتب والمخرج البلجيكي من أصل مغربي إسماعيل سعيدي، يتناول الصراع على الأرض والهوية، ويستعيد أحداثا تاريخية تركت آثارها في حياة أجيال متعاقبة.
ويحتضن مسرح رياض السلطان، بحي القصبة في طنجة، الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، مسرحية «القدس»، التي تجمع بين الدراما التاريخية والحكاية الإنسانية، وتتناول تعقيدات العلاقة بين الماضي والحاضر في مدينة تتقاطع فيها روايات متعددة حول الانتماء والذاكرة.
وتنطلق أحداث المسرحية من قصة شاهد، وهو فلسطيني يجد نفسه مضطرا إلى مغادرة منزله في حي الشيخ جراح بالقدس، بعدما تقضي محكمة، في سياق الأحداث الدرامية، بتسليم المنزل إلى دلفين لاشانس، وهي امرأة يهودية وصلت حديثا من مدينة مونتريال الكندية.
وتتحول المواجهة بين الشخصيتين، التي تبدأ بالغضب والرفض المتبادل، إلى رحلة عبر التاريخ، بعدما يعيد حدث غامض خلال كسوف للشمس أرواح اثنين من أسلافهما، لتستحضر المسرحية فصولا من الذاكرة الجماعية وما ارتبط بها من تهجير وحروب ومعاناة إنسانية.
ومن خلال هذا البناء الدرامي، ينتقل العمل بين أحداث تاريخية مختلفة، من بينها اضطهاد اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، والمحرقة النازية، والنكبة الفلسطينية سنة 1948، والحروب العربية الإسرائيلية، في محاولة لفهم تأثير الماضي في تشكيل الهويات والمواقف المعاصرة.
ويعتمد إسماعيل سعيدي على تعدد الأصوات والحوار بين الشخصيات لتقديم روايات تاريخية متقاطعة، مع التركيز على التجارب الفردية وما تحمله من فقدان وخوف وارتباط بالمكان.
ولا تقتصر المسرحية على استعادة الوقائع التاريخية، بل تتناول أيضا العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية، وكيف تنتقل تجارب الأجيال السابقة إلى الأحفاد، لتؤثر في نظرتهم إلى الآخر وفي فهمهم للانتماء والحقوق.
ويطرح العمل، من خلال النزاع حول منزل في الشيخ جراح، مسألة ارتباط الملكية والسكن بالهوية والاقتلاع من المكان، وهي قضايا تتجاوز مصير الشخصيتين لتلامس أبعادا أوسع من القضية الفلسطينية.
ويشارك في تقديم العرض إسماعيل سعيدي، إلى جانب إينيس فايل روشانت وفيونا ليفي، اللتين تتناوبان على أداء الدور النسائي في إنتاج المسرحية، التي سبق تقديمها على خشبات أوروبية، من بينها مسرح ماتوران في باريس.
ويعرف سعيدي باهتمامه بالقضايا الاجتماعية والدينية والهوية، خصوصا من خلال أعماله المسرحية التي تناقش التطرف والعلاقات بين الثقافات، ومن أبرزها مسرحية «الجهاد»، التي تناولت مسارات شباب أوروبيين نحو التطرف العنيف.
وفي عمله الجديد، ينتقل المخرج إلى معالجة الذاكرة التاريخية للقدس، مستعينا بالحوار والتوتر الدرامي لاستحضار تجارب شخصيات تنتمي إلى خلفيات مختلفة، وتتقاطع مصائرها داخل مدينة تحتل مكانة دينية لدى المسلمين والمسيحيين واليهود.
ويأتي تقديم المسرحية في طنجة ضمن البرنامج الثقافي لشهر أكتوبر الذي أعده مسرح رياض السلطان، ويشمل عروضا مسرحية وسينمائية وحفلات موسيقية ولقاءات فكرية، إلى جانب ورشات للتكوين الفني.
ومن المنتظر أن ينطلق العرض في الساعة السابعة مساء، بسعر تذكرة يبلغ 50 درهما، في موعد يتيح للجمهور الطنجاوي متابعة تجربة مسرحية تتناول واحدة من أكثر المدن ارتباطا بقضايا التاريخ والدين والصراع السياسي.
ويكتسب العرض أهمية خاصة من طبيعة الموضوع الذي يتناوله، إذ يسعى إلى تقديم التاريخ عبر مصائر شخصيات تعيش تبعات أحداث لم تشارك في صنعها، لكنها تجد نفسها مطالبة بالتعامل مع آثارها.
وبين قصة منزل في حي الشيخ جراح واستعادة أحداث تمتد عبر عقود، تطرح مسرحية «القدس» أسئلة بشأن قدرة الفن على تناول ذاكرة مدينة تتنازعها روايات تاريخية وحقوق ومطالب متعارضة، وكيف يستطيع المسرح تحويل الوقائع الكبرى إلى حكايات إنسانية تعرض أمام الجمهور.

