وطن 24 من الرباط
لم تنته تداعيات أزمة سبتة بعد، لكن العلاقات بين المغرب وإسبانيا تجد نفسها بالفعل أمام ملفات جديدة أكثر حساسية، بعضها يمس مباشرة قضايا ظلت لعقود في صلب الخلاف بين الرباط ومدريد.
وخلال الأشهر المقبلة، تترقب العاصمتان زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية، بينما يواصل البرلمان الإسباني مناقشة مشروع قانون لمنح الجنسية لفئات من الصحراويين، في وقت تستعيد فيه مدريد علاقاتها مع الجزائر وتتهيأ لاجتماع حكومي رفيع المستوى، وسط حديث عن زيارة محتملة للرئيس عبد المجيد تبون إلى إسبانيا.
ويأتي ذلك بعد مرحلة اتسمت باستقرار نسبي منذ عام 2022، حين غيرت حكومة بيدرو سانشيز موقفها من قضية الصحراء واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل.
غير أن أحداث سبتة أواخر يوليوز أعادت قدرا من التوتر إلى العلاقة، خصوصا بعدما تحولت الأزمة إلى مادة للصراع السياسي داخل إسبانيا، وردت الرباط برفض تحميلها مسؤولية ما جرى أو الزج بها في المزايدات الحزبية الإسبانية.
زيارة بثقل سياسي
وسط هذا المناخ أعلنت مدريد التحضير لزيارة فيليبي السادس وليتيزيا إلى سبتة ومليلية، وهي خطوة يتجاوز وزنها البرنامج البروتوكولي للقصر الملكي الإسباني.
فالزيارة تأتي بعد أسابيع قليلة من أزمة سبتة، وبعد عودة ملف المدينتين إلى النقاش السياسي الإسباني، كما ستكون الأولى التي يقوم بها فيليبي السادس إليهما بصفته ملكا.
وتحضر هنا سابقة عام 2007، عندما أثارت زيارة الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية أزمة دبلوماسية، انتهت باستدعاء المغرب سفيره لدى مدريد للتشاور.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على طبيعة الرد المغربي هذه المرة، لكن توقيت الزيارة يجعلها أكثر حساسية، خصوصا أن حكومة سانشيز ربطتها بالتحركات التي أعقبت أحداث سبتة وبإظهار الدعم الإسباني للمدينة.
ومن شأن الرسائل السياسية التي سترافق الزيارة أن تكون موضع متابعة في الرباط بقدر أهمية الزيارة نفسها، خاصة إذا أعادت إلى الواجهة مواقف تتجاوز البعد البروتوكولي إلى تأكيدات سياسية بشأن وضع المدينتين.
الصحراء في البرلمان
وبينما يتركز الاهتمام على سبتة ومليلية، يتحرك داخل البرلمان الإسباني ملف آخر أكثر اتصالا بقضية الصحراء.
فقد أقر مجلس النواب مشروع قانون يفتح أمام الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم طريقا خاصا للحصول على الجنسية، وأحال النص إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مناقشته.
وتقدم القوى المؤيدة للمشروع المسألة باعتبارها معالجة لوضع قانوني وتاريخي يعود إلى المرحلة التي سبقت انسحاب إسبانيا من الصحراء، لكن القانون يصعب فصله سياسيا عن نزاع يشكل إحدى أولويات السياسة الخارجية المغربية.
وتزداد حساسية النص لأنه يأتي بعد أربع سنوات فقط من التحول الذي أحدثته حكومة سانشيز في موقف إسبانيا من الصحراء، وهو التحول الذي مهد للمصالحة مع الرباط بعد أزمة طويلة.
ولا تعني مناقشة القانون أن مدريد تراجعت عن موقفها المعلن منذ 2022، لكن الصيغة التي سيخرج بها النص ستكون موضع اهتمام مغربي، خصوصا إذا تجاوزت مقتضيات الجنسية إلى توصيفات سياسية أو قانونية تمس وضع الإقليم.
ويرى أستاذ الدراسات العربية والإسلامية ميغيل هيرناندو دي لاراميندي أن مشروع الجنسية يمثل إحدى نقاط الاحتكاك المحتملة في العلاقة بين البلدين، إلى جانب الزيارة الملكية المرتقبة إلى سبتة ومليلية.
الجزائر تعود
وفي الجهة الأخرى من المعادلة، تتحرك مدريد لإعادة علاقاتها مع الجزائر بعد سنوات من الفتور الذي بدأ مباشرة عقب تغيير الموقف الإسباني من قضية الصحراء.
وزار سانشيز الجزائر في يوليوز الماضي والتقى تبون، واتفق البلدان على عقد الاجتماع الثامن رفيع المستوى بين حكومتيهما خلال الخريف، مع توسيع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.
كما عاد الحديث عن زيارة محتملة للرئيس الجزائري إلى مدريد، وإن لم يعلن حتى الآن موعد رسمي لها.
وبالنسبة إلى المغرب، لا تكمن المسألة في استعادة إسبانيا علاقاتها مع الجزائر في حد ذاتها، وإنما في طبيعة هذا التقارب وحدوده، خصوصا إذا حضرت قضية الصحراء في اللقاءات المقبلة بين الطرفين.
فالجزائر تظل الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، كما أن الأزمة التي ضربت علاقتها بإسبانيا منذ 2022 اندلعت أساسا بسبب موقف مدريد الجديد من الصحراء.
ولهذا ستراقب الرباط مضمون الاجتماع الحكومي الإسباني الجزائري وأي زيارة محتملة لتبون، خاصة ما إذا كانت مدريد ستحتفظ بالموقف نفسه الذي بنَت عليه مصالحتها مع المغرب.
ضغط متراكم
ولا تحمل الملفات الثلاثة الوزن نفسه، كما لا تعني بالضرورة أن العلاقات المغربية الإسبانية مقبلة على أزمة جديدة.
فالمغرب وإسبانيا يرتبطان بتعاون واسع في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والنقل، إلى جانب تنسيق متزايد مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
لكن تزامن الملفات يرفع مستوى الحساسية السياسية.
فالرباط تنتظر ما ستقوله زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية بعد أزمة لم يمر عليها سوى أسابيع، وتتابع قانونا إسبانيا يرتبط بالصحراء، بينما ترى مدريد تعيد بناء علاقتها مع الجزائر في الوقت نفسه.
ولهذا ستتوقف درجة التوتر خلال الفترة المقبلة على مضمون هذه الخطوات أكثر من حدوثها في حد ذاته، وعلى قدرة مدريد على الفصل بين تحسين علاقتها مع الجزائر والحفاظ على التفاهمات التي قامت عليها مصالحتها مع المغرب، وكذلك على الطريقة التي ستدار بها زيارة سبتة ومليلية والمسار النهائي لقانون الجنسية.

