وطن 24 من طنجة
بات المغرب ينافس إسبانيا وعددا من الدول الأوروبية في استقطاب استثمارات صناعة السيارات، مستفيدا من انخفاض تكاليف الإنتاج بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة، وهو فارق يتيح للمجموعات الصناعية توفير ما يصل إلى 3000 يورو عن كل سيارة تصنعها في المصانع المغربية بدلا من نظيراتها الإسبانية.
وبحسب تقديرات أوردتها مصادر متخصصة في السيارات، فإن تكلفة اليد العاملة المحسوبة على إنتاج السيارة الواحدة لا تتجاوز 800 يورو في المغرب، مقابل 1200 يورو في فرنسا و1500 يورو في ألمانيا، فيما تتراوح الأجور الشهرية التي استندت إليها المقارنة بين 500 و600 يورو للعامل المغربي، مقابل 1500 يورو على الأقل في إسبانيا.
وتفسر هذه الفوارق جانبا من توجه الشركات الأوروبية نحو توسيع أنشطتها الصناعية بالمغرب، حيث أقامت مجموعتا “رونو” الفرنسية و”ستيلانتيس” الدولية قواعد إنتاجية مرتبطة بالأسواق الأوروبية، إلى جانب شبكة من الشركات المتخصصة في تصنيع مكونات السيارات وتجهيزاتها.
وتستفيد المصانع المغربية من قربها الجغرافي من أوروبا، ولا سيما عبر مضيق جبل طارق، ومن شبكة الطرق والمناطق الصناعية والموانئ التي تسمح بنقل السيارات والمكونات بين مواقع الإنتاج والأسواق المستقبلة في آجال قصيرة.
وتبرز منطقة طنجة ضمن هذه المنظومة، حيث يرتبط مصنع “رونو” في ملوسة بميناء طنجة المتوسط عبر بنية لوجستية مخصصة لنقل السيارات المعدة للتصدير، فيما تتمركز حوله شركات للمناولة الصناعية وإنتاج المكونات.
وقالت مجموعة “رونو”، في معطيات نشرتها خلال يونيو الماضي، إن المغرب أصبح ثاني أكبر قاعدة إنتاجية لها على الصعيد العالمي، مشيرة إلى أن مصنع طنجة يمثل أحد أكثر مواقعها الصناعية تنافسية، بفضل قربه من الموردين والميناء وشبكة التوزيع الدولية.
وبحسب الحصيلة الصناعية للمجموعة، أنتج مصنعَاها في طنجة والدار البيضاء 394 ألفا و474 سيارة خلال سنة 2025، خصصت 82 في المائة منها للتصدير نحو 63 سوقا دولية.
واستحوذ مصنع طنجة وحده على إنتاج 299 ألفا و395 سيارة، صدرت المجموعة نحو 95 في المائة منها، فيما بلغت حصة مصنع الدار البيضاء 95 ألفا و79 سيارة.
وتعزز أرقام ميناء طنجة المتوسط مكانة هذه المنطقة في صادرات السيارات المغربية، إذ أفادت السلطة المينائية بأن محطتي السيارات عالجتا 526 ألفا و862 مركبة خلال سنة 2025، من بينها 327 ألفا و569 سيارة صدرتها مصانع “رونو”، و126 ألفا و874 سيارة من إنتاج مصنع “ستيلانتيس” بالقنيطرة.
وجاءت هذه الحصيلة رغم انخفاض حركة السيارات بالميناء بنسبة 12 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وهو تراجع ربطته السلطة المينائية بتعديل برامج الإنتاج وتغير تدفقات السيارات في الأسواق الدولية.
وفي القنيطرة، تعمل مجموعة “ستيلانتيس” على مضاعفة قدراتها الصناعية، بعدما أعلنت برنامجا استثماريا بقيمة 1.2 مليار يورو لتوسيع مصنعها، يشمل رفع طاقة إنتاج السيارات من 200 ألف إلى 400 ألف وحدة سنويا.
وأوضحت المجموعة أن الطاقة الإجمالية للمصنع ستصل إلى 535 ألف وحدة سنويا عند احتساب وسائل النقل الصغيرة، مع استهداف رفع نسبة الإدماج المحلي إلى 75 في المائة بحلول سنة 2030.
وتعتزم الشركة أيضا رفع مشترياتها من الموردين المستقرين بالمغرب إلى أكثر من 6 مليارات يورو سنويا في أفق 2030، في إطار خطتها لزيادة الاعتماد على المكونات المصنعة محليا.
وعلى مستوى الصناعة الوطنية، ارتفع إنتاج السيارات من أكثر من 400 ألف مركبة سنة 2018 إلى نحو 560 ألف مركبة سنة 2024، وفقا للبيانات التي تستند إليها المقارنات الصناعية الدولية، فيما يستهدف المغرب تجاوز عتبة مليون سيارة سنويا بحلول سنة 2030.
ولا تزال إسبانيا تتفوق على المغرب من حيث حجم الإنتاج الإجمالي، باعتبارها ثاني أكبر منتج للسيارات في أوروبا بعد ألمانيا، غير أن الفوارق في تكاليف التصنيع أصبحت أحد العناصر التي تدخل في قرارات الشركات المتعلقة باختيار مواقع استثماراتها الجديدة.
وتظهر بيانات مكتب الصرف المغربي استمرار توسع صادرات القطاع، إذ بلغت قيمتها 116.15 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، بارتفاع نسبته 14.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وشمل هذا النمو ارتفاع صادرات السيارات المصنعة بنسبة 19 في المائة إلى نحو 44.75 مليار درهم، وزيادة صادرات الأسلاك الكهربائية المخصصة للسيارات بنسبة 13.9 في المائة إلى نحو 44.78 مليار درهم.
وفي موازاة صناعة السيارات التقليدية، يتجه المغرب نحو توسيع أنشطته المرتبطة بالسيارات الكهربائية، مستفيدا من استثمارات شركات صينية متخصصة في إنتاج البطاريات ومكوناتها.
وكان البنك الإفريقي للتنمية قد أعلن في يوليو الماضي الموافقة على قرض بقيمة 100 مليون يورو لفائدة شركة “غوشن باور موروكو”، التابعة للمجموعة الصينية “غوشن هاي تيك”، لتمويل مشروع مصنع متكامل لبطاريات السيارات الكهربائية بمنطقة الرباط وسلا والقنيطرة.
ويستهدف المشروع إنتاج بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم بطاقة أولية تبلغ 10 غيغاواط ساعة سنويا، مع خطط لزيادة القدرة الإنتاجية خلال المراحل المقبلة.
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت تتجه فيه مجموعات السيارات الدولية إلى إعادة توزيع بعض أنشطتها الصناعية وسلاسل توريدها، بحثا عن مواقع تجمع بين انخفاض تكاليف الإنتاج والقرب من الأسواق الأوروبية.
وتراهن السلطات المغربية على توسيع قاعدة الموردين المحليين ورفع نسبة تصنيع المكونات داخل المملكة لاستقطاب استثمارات إضافية، بينما يظل تطور الطلب الأوروبي على السيارات، وخاصة الكهربائية منها، عاملا رئيسيا في تحديد حجم التوسع الصناعي خلال السنوات المقبلة.

