أعلن المغرب اليوم الاثنين عن انخراطه في حقبة جديدة من الدبلوماسية الدولية بقيادة الولايات المتحدة، حيث استجاب الملك محمد السادس بالإيجاب لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليصبح عضوا مؤسسا في “مجلس السلام”.
وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس يمر به الشرق الأوسط، لتعزز مكانة الرباط كحليف استراتيجي لا غنى عنه لواشنطن في المنطقة، وهو ما يعكس تطور الشراكة بين البلدين التي شهدت قفزة نوعية منذ توقيع الاتفاق الثلاثي في نهاية عام 2020.
وأوضح بلاغ لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن هذا المجلس الجديد لا يعد مجرد منتدى للحوار، بل هو منظمة دولية ذات صبغة قانونية تهدف إلى إرساء قواعد جديدة للحكامة الدولية وضمان الاستقرار في المناطق المهددة بالنزاعات.
ويبدو أن المبادرة الأميركية تسعى إلى تجاوز الأطر التقليدية للوساطة الدولية من خلال التركيز على “النتائج الملموسة” والشراكات العملية، وهو نهج يتماشى مع رؤية الرئيس ترامب “الصفقة” التي تعتمد على الاستثمار الاقتصادي والتعاون الأمني كركائز للسلام الدائم.
ويحمل اختيار الملك محمد السادس كعضو مؤسس دلالات سياسية عميقة، فالمغرب يمثل حلقة وصل فريدة بين العالم العربي وإفريقيا والغرب.
وتأتي هذه الدعوة، حسب مراقبين، كاعتراف بالدور التاريخي الذي يلعبه العاهل المغربي بصفته رئيسا للجنة القدس، حيث نجح دائما في الحفاظ على شعرة معاوية بين التزاماته القومية تجاه القضية الفلسطينية وعلاقاته الاستراتيجية مع القوى الدولية.
ويؤكد البلاغ أن العضوية في هذا المجلس تقتصر على عدد محدود جدا من الزعماء الذين يتم اختيارهم بعناية، مما يضع الرباط في قلب دائرة صنع القرار الدولي الجديدة التي تسعى واشنطن لرسم ملامحها في عام 2026.
وفي السياق الإقليمي، يتزامن هذا الإعلان مع كشف واشنطن عن المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، والتي تتضمن إجراءات هيكلية لإعادة صياغة المشهد في الأراضي الفلسطينية.
وقد أعرب المغرب عن ترحيبه الصريح بتأسيس “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” كجهة انتقالية مؤقتة، وهي الخطوة التي تهدف إلى ملء الفراغ الإداري والأمني في القطاع وضمان تدفق المساعدات وإعادة الإعمار ضمن إطار حكامة دولي وإقليمي.
ويعد هذا الترحيب المغربي بمثابة دعم سياسي قوي للمبادرة الأميركية، كونه يأتي من دولة تحظى بمصداقية واسعة لدى مختلف الأطراف المعنية بالنزاع.
وعلى الرغم من هذا التقارب الكبير مع الرؤية الأميركية الجديدة، حرصت الرباط في بيانها على إعادة تأكيد ثوابتها التي لم تتغير. فقد شدد البلاغ على أن التزام المغرب بالسلام يظل مشروطا بتحقيق العدل الشامل الذي يضمن للشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمتها.
ويعكس هذا التوازن الدقيق في الخطاب المغربي رغبة الرباط في الانخراط الفعال في المبادرات الدولية دون التنازل عن المرجعيات التاريخية للحل السياسي، وهو ما يمنح “مجلس السلام” الوليد شرعية أكبر في المنطقة.
من الناحية المؤسساتية، يشير الميثاق التأسيسي لمجلس السلام إلى رغبة في خلق هيكل دولي مرن قادر على التدخل السريع لفض النزاعات.
ومن المرتقب أن تعمل المملكة المغربية في الأسابيع المقبلة على المصادقة الرسمية على هذا الميثاق، مما يمهد الطريق لتعاون تقني وسياسي واسع النطاق.
ويرى محللون أن انضمام المغرب لهذه البنية الهامة سيفتح آفاقا جديدة للتعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات الملاحية، وتعزيز التنمية الاقتصادية في إفريقيا والشرق الأوسط، وهي ملفات تشكل أولوية قصوى للأمن القومي المغربي والأميركي على حد سواء.
ويمثل هذا التطور الدبلوماسي تكريسا لمسار طويل من التنسيق الوثيق بين الرباط وواشنطن، ويضع العاهل المغربي في موقع القيادة ضمن مبادرة دولية تطمح لتغيير قواعد اللعبة في إدارة الأزمات العالمية، في وقت يتطلع فيه المجتمع الدولي إلى حلول مبتكرة تنهي عقودا من الركود السياسي في أكثر مناطق العالم توترا.

