تزايدت حدة الخطاب المعادي للمهاجرين داخل الساحة السياسية الإسبانية مع اقتراب مواعيد انتخابية محلية وتشريعية، وسط توسع لافت في الحضور الإعلامي لتيارات يمينية متشددة تُحمّل المهاجرين مسؤولية مشكلات أمنية واجتماعية واقتصادية متراكمة.
ويواكب هذا الخطاب المتصاعد تغطية صحفية متواترة تُعيد إنتاج صور نمطية تختزل الهجرة في العبور غير النظامي والتوتر الثقافي، مع تغييب شبه تام للأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بوجود ملايين المهاجرين النظاميين والمندمجين.
وأظهرت نتائج استطلاع نُشرت مؤخرا في صحيفة “لاراثون” المقربة من الأوساط السياسية اليمينية، أن 60% من المشاركين يعتبرون اندماج المهاجرين مشكلة قائمة، فيما يؤيد 40% منهم ترحيل الأشخاص الذين دخلوا البلاد بطريقة غير نظامية.
وفي أوساط أنصار التيار اليميني المتشدد المعروف باسم Se Acabó la Fiesta بلغت نسبة المؤيدين لإجراءات الطرد 87%، ما يعكس تنامي تأثير هذا الخطاب لدى شرائح واسعة من الناخبين.
ورغم أن هذه المعطيات لا تمثل توجه الرأي العام الإسباني بكامله، إلا أن تداولها بكثافة في المنصات الإعلامية المحسوبة على اليمين المحافظ يُساهم في تكريس مناخ اجتماعي متوتر تُغذّيه مفردات من قبيل “الغزو الديمغرافي”، و”فشل الإدماج”، و”تفكك الأحياء الحضرية”، دون الاستناد إلى بيانات ميدانية شاملة أو تحليل محايد للأسباب البنيوية.
في المقابل، تُواصل الحكومة الإسبانية تأكيد التزامها بالشراكة الاستراتيجية مع المغرب في مجال تدبير الهجرة، حيث تُوصف الرباط بأنها شريك موثوق في ضبط التدفقات ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
ويشمل التنسيق الثنائي برامج للهجرة الموسمية المنظمة، وآليات لتبادل المعلومات والتنسيق الحدودي، تُنفّذ بتعاون وثيق بين الأجهزة المختصة في البلدين.
ويُقيم في إسبانيا أكثر من 800,000 مهاجر مغربي وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء، بينهم عشرات الآلاف من الحاصلين على الجنسية الإسبانية.
فيما تُظهر بيانات رسمية أن الجالية المغربية تُسجّل نسب اندماج مستقرة في ميادين الشغل والتعليم والاستقرار الأسري، مع حضور قوي في قطاعات الزراعة والبناء والنقل والخدمات.
غير أن هذا المعطى الواقعي لا يجد صداه دائما في النقاش العام، حيث تطغى مقاربات تبسيطية تُعيد إنتاج مشهد ثنائي بين مهاجر غير مندمج ومجتمع مستهدف.
وتُحذّر أصوات مهنية من أن تحول ملف الهجرة إلى مادة للمزايدات السياسية يُهدد استقرار العلاقات المجتمعية ويُقوّض الجهود الثنائية المبذولة على المستوى المؤسساتي.
وترى أوساط متابعة أن الخطاب العدائي تجاه المهاجرين لا ينفصل عن السياق الانتخابي الداخلي، حيث تُستخدم قضايا التنقل والإدماج لتعزيز الاستقطاب وتحقيق مكاسب ظرفية، في وقت تتطلب فيه تحديات الهجرة مقاربات متوازنة تُراعي احترام الحقوق وسيادة القانون وتكامل الأدوار بين دول الاستقبال ودول المصدر.
في هذا الإطار، يُنتظر أن تُواصل إسبانيا والمغرب تفعيل التزاماتهما المشتركة في مجال تنظيم الهجرة النظامية وتعزيز الإدماج، مع التنسيق لاحتواء أي انعكاسات محتملة للخطابات السياسية المتطرفة التي تُمهد لمقاربات إقصائية لا تخدم الاستقرار ولا الشراكة.

