بعد ثماني سنوات من أول اقتراع أفرز المجلس الوطني للصحافة في المغرب، يعود الصحافيون إلى صناديق التصويت في 15 شتنبر الجاري، لكنهم يعودون هذه المرة إلى مؤسسة عبرت خلال السنوات الفاصلة مسارا مضطربا، انتهت فيه ولاية مجلسها المنتخب من دون تجديد، وحلت مكانه لجنة مؤقتة، قبل أن يصل الخلاف حول طريقة إعادة بنائه إلى المحكمة الدستورية.
ويتنافس 39 صحافيا وصحافية على سبعة مقاعد، في انتخابات تبدو محدودة بالأرقام، لكنها تطرح على الوسط الإعلامي المغربي سؤالا أوسع من أسماء الفائزين. فالمجلس الذي سيخرج من هذا المسار سيكون مسؤولا عن جانب من تنظيم المهنة ومنح بطاقة الصحافة وأخلاقياتها وقضاياها التأديبية، مما يجعل الطريقة التي ستتوزع بها المقاعد جزءا من النقاش حول من يملك النفوذ داخل مؤسسة يفترض أن تدير الصحافة شؤونها من خلالها باستقلال.
وأعلنت اللجنة المشرفة على الانتخابات قبول 39 ترشيحا من أصل 41 أودعت بين 24 و28 غشت، وحددت الاقتراع من التاسعة صباحا إلى السادسة مساء يوم 15 شتنبر.
ويختار الصحافيون سبعة ممثلين، على ألا يقل عدد النساء بينهم عن ثلاث، ضمن مجلس يضم 17 عضوا، سبعة عن الصحافيين ومثلهم عن الناشرين وثلاثة يمثلون مؤسسات وطنية.
من يملك المجلس؟
لكن الوصول إلى هذه المعادلة احتاج إلى معركة قانونية لم تكن منفصلة عن معركة النفوذ.
فالقانون الذي أقره البرلمان قبل أشهر كان يمنح الناشرين تسعة أعضاء مقابل سبعة للصحافيين، ويضيف إلى حصتهم مقعدين لذوي الخبرة تنتدبهما المنظمة المهنية الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية.
غير أن المحكمة الدستورية أوقفت هذه الصيغة في يناير، واعتبرت أن ترجيح عدد الناشرين من دون أساس موضوعي يخل بالتساوي والتوازن بين المكونين المهنيين، وبالقواعد الديمقراطية المطلوبة داخل مؤسسة التنظيم الذاتي.
وأعادت الحكومة إثر ذلك القانون إلى البرلمان في صيغة جديدة حملت رقم 09.26، لتستقر التركيبة على سبعة صحافيين وسبعة ناشرين وثلاثة أعضاء عن مؤسسات وطنية. وهي مساواة في عدد المقاعد عالجت الاعتراض الدستوري، لكنها لم تبدد اعتراضات مهنية صاحبت الملف منذ بدء إعادة ترتيب المجلس.
فالمجلس الأول، الذي انتخب في يونيو 2018، لم ينجح في تنظيم اقتراع جديد عند نهاية ولايته. ومددت الحكومة فترة عمله بصورة استثنائية، ثم أحدثت سنة 2023 لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر بعدما تعذر إجراء الانتخابات في الآجال المقررة. وكان يفترض أن تتولى هذه اللجنة، إلى جانب تدبير الملفات الجارية، تهيئة الظروف للعودة إلى مجلس منتخب.
وهكذا يصل الصحافيون إلى اقتراع شتنبر وهم لا ينتخبون خلفا لمجلس غادر موقعه قبل أسابيع أو أشهر، بل يحاولون إنهاء مرحلة استثنائية امتدت سنوات وراكمت خلالها العلاقة بين التنظيم الذاتي والسلطة الحكومية والنقابات والناشرين قدرا كبيرا من الشك المتبادل.
وقد ظهر ذلك حتى قبل فتح باب الترشيح. ففي غشت، خاطبت خمس هيئات نقابية ومهنية اللجنة المشرفة على الانتخابات بعد نشر لوائح الهيئة الناخبة، وقالت إن ملاحظات واختلالات رافقتها وتحتاج إلى معالجة جماعية قبل مواصلة المسار.
وضمت المراسلة النقابة الوطنية للصحافة المغربية، والفيدرالية المغربية لناشري الصحف، والجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال، والنقابة الوطنية للإعلام والصحافة، والكونفدرالية المغربية لناشري الصحف والإعلام الإلكتروني.
ولم يمنع الاعتراض على القانون أو بعض ترتيبات الانتخابات هذه التنظيمات من التعامل مع الاستحقاق القائم. فالجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، تمسكت مثلا برفضها للقانون، لكنها أعلنت احترام حق منتسبيها في الترشح والمشاركة، وهو موقف يلخص جزءا من المفارقة المحيطة بانتخابات المجلس، إذ تخوض قوى مهنية السباق داخل قواعد تقول إنها لا تزال تعترض عليها.
داخل البيت النقابي
أما النقابة الوطنية للصحافة المغربية، صاحبة الحضور التاريخي الأبرز داخل العمل النقابي الصحافي في البلاد، فتدخل الانتخابات وهي تواجه اختبارا داخل بيتها نفسه.
فبحسب معطيات متداولة داخل الوسط النقابي، جرى التوافق على سبعة أسماء لخوض الانتخابات بدعم النقابة، هم محمد حجيوي ومحمد فرنان والكبير خشيشن وعبد العزيز اجهبلي وحنان رحاب ومونيا عرشي ونادية حسيسو.
غير أن اللائحة الرسمية للمرشحين حملت، إلى جانب هؤلاء، ثمانية أعضاء آخرين من المجلس الوطني الفدرالي للنقابة ترشحوا خارج هذا التوافق، بينهم عبد الله البقالي وعبد الحق العضيمي وكريمة مصلي وعبد الواحد كنفاوي وحميد الكمالي وعبد الصمد ولد اشهيبة ومحمد توفيق الناصري وياسر المختوم.
ولا يتعلق الأمر بخلاف هامشي في انتخابات لا تتجاوز سبعة مقاعد. فوجود 15 عضوا من الجهاز الفدرالي للنقابة بين المرشحين، سبعة تدعمهم صيغة التوافق وثمانية اختاروا دخول السباق خارجها، يعني أن أصوات جزء من القاعدة النقابية لن تجد أمامها توجيها واحدا، بل أسماء تتنافس فيما بينها على الخزان المهني نفسه.
ويضيف اسم عبد الله البقالي ثقلا خاصا إلى هذا التنافس. فالرئيس السابق للنقابة كان ضمن السبعة الذين فازوا بتمثيل الصحافيين في أول انتخابات للمجلس سنة 2018، كما تعود ربيعة مالك، الموجودة بدورها في لائحة 2026، إلى السباق بعدما كانت عضوا في المجلس الأول. وفي انتخابات 2018، حسمت لائحة واحدة مدعومة نقابيا المقاعد السبعة كلها، بينما تقوم انتخابات هذا العام على الترشح الفردي.
وهذا التحول في طريقة الاقتراع يغير شكل المنافسة من دون أن يلغي التنظيمات التي تقف وراءها. فالناخب لن يجد أمامه لائحة يختارها بأكملها كما حدث في التجربة الأولى، بل أسماء منفردة، لكن بعضها يدخل مدعوما بجهاز نقابي وبعضها يراهن على حضور سابق داخل المجلس أو على شبكة علاقات مهنية تشكلت في المؤسسات والجهات.
وتصبح قيمة التنظيم أكثر وضوحا في انتخابات وطنية موزع ناخبوها على مؤسسات إعلامية ومدن وجهات مختلفة. فالمرشح المعروف داخل مؤسسة أو وسط مهني محلي يحتاج إلى أصوات خارجه، بينما توفر النقابة أو الشبكة المهنية جسورا يصعب على المرشح الفرد بناؤها خلال الفترة القصيرة التي تفصل إعلان اللائحة عن يوم الاقتراع.
وفي الوقت نفسه، يفرض القانون حضورا نسائيا لا يقل عن ثلاثة مقاعد من أصل سبعة، وهو ما يضع المرشحات في سباق له حساباته الخاصة داخل المنافسة العامة.
وقد ضمت لائحة التوافق المرتبطة بالنقابة الوطنية ثلاث نساء تحديدا، بينما تخوض صحافيات أخريات الانتخابات خارجها، ومن بينهن ربيعة مالك وكريمة مصلي وعزيزة غلام وتفرح السباعي وسعاد ازعيتراوي.
ولا تسلك فئة الناشرين الطريق نفسها إلى المجلس. فبينما يذهب الصحافيون إلى التصويت المباشر، تمنح المقاعد السبعة الخاصة بالناشرين للمنظمات المهنية بحسب الحصص التمثيلية التي تستوفيها، وقد حددت اللجنة الفترة بين الأول والخامس من شتنبر لإيداع ملفات هذه المنظمات.
وهذا الفصل بين انتخاب الصحافيين وانتداب الناشرين يعيد إلى الواجهة سؤال التمثيلية الذي وصل في صيغته السابقة إلى المحكمة الدستورية. فالمجلس لن يتشكل من نتيجة صندوق واحد، بل من مسارين مختلفين يلتقيان لاحقا داخل المؤسسة نفسها، قبل أن ينتخب أعضاؤها الرئيس ونائبه في أجل لا يتجاوز خمسة أيام من تاريخ اقتراع الصحافيين.
وتكتسب معرفة من يصل إلى هذه المقاعد أهميتها من طبيعة الصلاحيات التي يمنحها القانون للمجلس. فهو يمنح بطاقة الصحافة المهنية، وينظر في القضايا التأديبية، ويتولى الوساطة والتحكيم في النزاعات، ويتابع احترام حرية الصحافة، ويشارك في إعداد القواعد والأنظمة المرتبطة بممارسة المهنة. كما تضم بنيته لجانا دائمة لأخلاقيات المهنة والتأديب، وبطاقة الصحافة، والوساطة والتحكيم، والمؤسسة الصحافية وتأهيل القطاع.
ما بعد الصندوق؟
لذلك لا ينحصر النقاش بشأن استقلال المجلس في علاقته بالحكومة. فالمسافة التي سيحافظ عليها أعضاؤه تجاه النقابات التي دعمتهم، والمؤسسات الإعلامية التي يعملون فيها، ومنظمات الناشرين التي انتدبت ممثليها، ستكون بدورها جزءا من الحكم على قدرة المؤسسة على ممارسة تنظيم ذاتي لا يتحول إلى تقاسم للمواقع بين القوى الموجودة أصلا داخل القطاع.
والقانون نفسه يلزم أعضاء المجلس بالتجرد والحياد والاستقلالية والنزاهة، وهي شروط ستوضع على المحك بعد الانتخابات أكثر مما توضع يومها.
ففي 15 شتنبر سيعرف الصحافيون من ربح المقاعد السبعة، وستظهر قدرة التنظيمات القديمة على تعبئة قواعدها، ومدى ما تملكه الأسماء الخارجة عن توافقاتها من نفوذ مستقل. لكن ذلك لن يحسم وحده السؤال الذي رافق المجلس منذ تعثر تجديده، لأن العودة إلى الصندوق تعيد الشرعية الانتخابية إلى جزء من تركيبته، ولا تضمن وحدها أن تتحرر المؤسسة من التوازنات التي أوصلت أعضاءها إليها.
وبين مجلس أول حسمت مقاعد الصحافيين فيه لائحة واحدة، ولجنة مؤقتة أدارت المرحلة الانتقالية، وقانون أسقطت المحكمة الدستورية جزءا من هندسته، يصل التنظيم الذاتي للصحافة المغربية إلى محاولة جديدة.
هذه المرة لن تكون النتيجة سبعة أسماء فحسب. فالاقتراع سيقدم أول جواب عن مقدار ما تغير داخل الجسم الصحافي خلال ثماني سنوات، وعن قدرة المهنة على تحويل مجلسها من ساحة تتقاطع فيها موازين النفوذ إلى مؤسسة تحكمها القواعد التي يفترض أن يدافع عنها أعضاؤها.

