نجحت الأجهزة الأمنية في تجنيب البلاد مأساة عند أسوار سبتة، لكن هذا النجاح الميداني لا يمنح الحكومة حق إغلاق الملف، تماما كما لا يبرر للأحزاب الركون إلى صمتها المعتاد أمام أزمة تتجاوز المقاربة الأمنية.
لقد أثبتت الدولة كفاءة مشهودة في منع مزيد من محاولات اقتحام سبتة، وحالت القوات العمومية دون سقوط ضحايا جدد في البحر أو عند السياج، فيما تستعد السلطات لتسلم من بلغوا الثغر المحتل من رجال ونساء وقاصرين. غير أن النجاح في ضبط الحدود لا يعني بأي حال من الأحوال طي الصفحة.
إن ما وقع في الفنيدق ليس مجرد حادث أمني معزول، بل هو واقعة سياسية مكتملة المعنى. فحين يتحرك آلاف الشباب في اتجاه واحد، مقبلين على البحر والأسوار والملاحقات، لا يمكن تفسير ذلك بالتهور وحده.
وحين تنخرط النساء والقاصرون في موجة بهذا الحجم، يصبح الحديث عن “التحريض الرقمي” وشبكات التواصل تفسيرا قاصرا. إن المحرض لا يصنع اليأس من عدم، بل يجد غضبا جاهزا، وأفقا مغلقا، وثقة منهارة، ليكتفي بعد ذلك بمنح هذا المزيج المتفجر موعدا ومكانا.
السؤال الجوهري، إذن، لا يكمن في كيفية وصول نداءات العبور إلى هواتف الشباب، بل في الأسباب العميقة التي جعلت الاستعداد للاستجابة واسعا إلى هذا الحد.
لقد أوقفت قوات الأمن الاقتحام، لكن من يوقف تراكم الاحتقان؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك جيل كامل يتلقى خطاب الدولة عبر البلاغات، بينما يبني نظرته إلى المستقبل من واقع البطالة، والعمل الهش، وغلاء السكن، وضعف الأجور؟
هنا، تتحدد المسؤولية السياسية. لا يجوز للحكومة أن تتوارى خلف نجاح التدخل الأمني، ولا أن تسوق برامج التشغيل والحماية الاجتماعية كجواب نهائي.
نعم، أطلقت الدولة أوراشا واستثمارات، ووسعت مظلة التغطية، وأنشأت برامج لدعم المبادرات، وهي جهود قائمة لا ينكرها منصف. لكن السياسات لا تقاس بحجم الإعلانات والميزانيات، بل بالأثر الفعلي الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية. فإذا كانت البرامج ناجحة كما تدعي التقارير، فلماذا يرى هذا العدد من الشباب أن عبور البحر أكثر واقعية من انتظار فرصة داخل البلاد؟
لقد كشف حراك “جيل زد” عن اتساع المسافة بين الشباب والمؤسسات، جيل لا ينتظر الأحزاب، ولا يثق في وساطتها، ولا يرى في كثير من خطاباتها جوابا عن مشكلاته. ورغم ذلك، واصلت الهيئات السياسية التعامل معه ككتلة انتخابية موسمية. لقد أصبح الصمت الحزبي جزءا من المشكلة، وفي الفراغ الذي تركته السياسة وعجز المجالس المنتخبة، دخلت شبكات التواصل وخطابات الهروب.
بالطبع، لا يعني هذا إعفاء الشباب من المسؤولية، فاقتحام الحدود وتعريض النفس للخطر لا يمثلان احتجاجا مشروعا. كما أن التحقيق مع الجهات التي حشدت ووفرت وسائل العبور يظل ضرورة حتمية، لكن محاسبة المحرضين لا يجب أن تلغي محاسبة السياسات التي منحتهم جمهورا جاهزا.
الخطر الأكبر يكمن في أن تتعامل الحكومة مع ما جرى باعتباره موجة وانكسرت، حيث تعاد الجموع ويعلن أن الوضع تحت السيطرة.
لكن إعادة الأشخاص لا تعني إعادة الأمل. العائدون يحتاجون إلى حماية ومواكبة، والشباب يحتاجون إلى مسارات واضحة نحو العمل. ومناطق الشمال لا تحتاج فقط إلى مشاريع مدرجة في العروض الرسمية، بل إلى سياسة تنموية تقاس بوظائف مستقرة وأجور تحفظ الكرامة.
المغرب لا تنقصه الإمكانات، ولديه قدرة فعلية على التحرك. لذلك، يصبح استمرار الفجوة بين السياسات والشباب، من طنجة إلى القصر الكبير، أكثر إحراجا.
لا نحتاج اليوم إلى خطاب سوداوي يعلن انهيار كل شيء، كما لا نحتاج إلى خطاب رسمي يختزل الأزمة في نجاح أمني. الحقيقة أن الدولة منعت كارثة بفضل أجهزتها، لكنها تلقت إنذارا سياسيا صارخا من الداخل. وحان الوقت لتنتقل الحكومة من إدارة النتائج إلى معالجة الأسباب.
ما وقع في الفنيدق يفرض المساءلة، ومحاولة إغلاق الملف بصور الانتشار الأمني وبلاغات الترحيل، لن تكون سوى محاولة جديدة لتغطية الشمس بالغربال.

