البَرَّاق شادي عبد السلام
– تشكل الهجمات الاعلامية المنسقة ضد المغرب حلقة في مسلسل الحروب الهجينة، التي تستهدف فرملة صعود المملكة كقوة اقليمية تفرض نديتها الاستراتيجية وتنافس في ميادين الامن والاقتصاد.
– يسقط ادعاء ائتلافات التشهير امام انعدام الحجة المادية والقرينة الجنائية، مما يحول تقاريرهم الى منشورات تفتقر للمصداقية العلمية وتتجاهل ابسط معايير الفحص التقني المستقل.
– يستهدف توجيه سهام البروباغندا نحو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمحيط الملكي محاولة لضرب الركائز الامنية للمملكة، الا ان ثبات المؤسسات الوطنية ونجاعتها الامنية افشل هذه المساعي.
– تندرج ملفات القضايا الجنائية ضمن اختصاص القضاء المغربي المستقل، وتفكيك محاولات تسييس احكام الحق العام يكشف زيف ادعاءات الاضطهاد السياسي التي تروج لها جهات خارجية.
– تتبع هندسة التمويل هو المفتاح لفهم هذه الحملات الإعلامية؛ فالمال هو المحرك الخفي للأجندات السياسية، وفي ظل الجيوسياسية المعاصرة، تحولت المنح الموجهة لبعض المنظمات غير الحكومية إلى “سلاح ناعم” لزعزعة استقرار الدول الصاعدة
– يزعج صعود المغرب كفاعل دولي مستقل ومؤثر خصوما يقتاتون على منطق الوصاية، مما يدفعهم لتوظيف ورقة الخصوصية الرقمية كوسيلة ضغط دبلوماسي فاشلة امام القرار السيادي للمغرب.
– يمثل تطوير الترسانة السيبرانية المغربية ضرورة قصوى لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، حيث تفرض المملكة قواعد لعبها الخاصة في الفضاء الرقمي وتنتزع اعتراف الشركاء بموثوقيتها الامنية.
– تؤكد الاحكام القضائية الصادرة في باريس ومدريد براءة المؤسسات المغربية من تهم التجسس، وتثبت عجز اعداء النجاح عن تقديم دليل واحد امام المحاكم الدولية التي تفصل بالوثائق لا بالاشاعات.
تشهد الساحة الدولية في السنوات الاخيرة تحولا جذريا في طبيعة الصراعات، حيث انتقلت المواجهات من طابعها التقليدي الى فضاءات “الحروب الهجينة” التي توظف فيها التكنولوجيا، والبروباغندا الرقمية، والتسريبات الممنهجة كادوات متطورة للضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي. وفي هذا السياق المتوتر، برزت سلسلة من الحملات الاعلامية المنظمة والشرسة التي تقودها منصات اجنبية وائتلافات صحفية مسيسة – وفي مقدمتها منظمة “Forbidden Stories” وبعض الدوائر الاعلامية الغربية الموجهة – والتي جعلت من المملكة المغربية، ومؤسساتها السيادية، هدفا ثابتا لتقارير تفتقر الى ادنى المعايير المهنية والمصداقية العلمية. ان التدقيق في طبيعة هذه التقارير، وتوقيت نشرها المتزامن مع محطات دبلوماسية فارقة للمملكة، يكشف بشكل قاطع انها لا تمثل عملا صحفيا استقصائيا مجردا يبتغي الحقيقة، بل هي اسلحة رقمية ضمن استراتيجية اوسع تهدف الى تشويه السمعة الدولية للمغرب وفرملة صعوده الاقليمي.
تتاسس هذه الحملات المضللة على صناعة سرديات وهمية حول قضايا التجسس الرقمي واختراق الهواتف (مثل قضية “بيغاسوس”)، مستغلة تعقيد الملفات التكنولوجية لتمرير ادعاءات فضفاضة ومصطلحات سينمائية مبنية على لغة التخمين والاسماء المستعارة والروايات المفبركة. وتكمن خطورة هذه البروباغندا في محاولتها الالتفاف على القنوات القانونية والقضائية؛ حيث تعجز هذه المنصات – ومن يقف وراءها من منظمات شريكة مثل “منظمة العفو الدولية” – عن تقديم دليل مادي واحد، او شريحة بيانات رقمية جنائية معتمدة وقابلة للفحص من طرف لجان علمية مستقلة او محاكم دولية. ان هذا التهافت المنهجي، المقرون برفض تقديم الاثباتات، يحول هذه المنشورات من طابع “التقارير الحقوقية” الى منشورات “بروبوغندا سوداء” تخدم اجندات خفية لقوى اقليمية منافسة وجهات غربية تقليدية باتت تزعجها الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة، وتنامي دورها كقوة ندية ترفض التبعية وتصيغ تحالفاتها بناء على المصالح المشتركة والسيادة الكاملة.
بناء على هذا السياق، لتفكيك الخلفيات الحقيقية لهذه الهجمات الممنهجة، ودحض الاطروحات المضللة عبر تعريتها تكنولوجيا وقانونيا وسياسيا، وتسليط الضوء على مكامن الخلل في المنهجية التي اعتمدتها تلك المنصات الاجنبية. من خلال تجاوز القراءة السطحية للاحداث نحو سبر اغوار الاهداف الجيوسياسية للاطراف المحركة لهذه الحملات، وتبيان كيف يتم استخدام ملف “الخصوصية الرقمية وحقوق الانسان” كغطاء لابتزاز الدولة المغربية، ومحاولة ثنيها عن مواصلة نجاحاتها الدبلوماسية الكبرى، لاسيما في ملف الوحدة الترابية وتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في عمقها الافريقي والفضاء المتوسطي.
ان استهداف شخصيات سيادية كالمستشار الملكي السيد فؤاد عالي الهمة و مؤسسات سيادية كالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) و كفاءاتها الأمنية المشهود لها وطنيا و دوليا بالمهنية لا يمثل حدثا معزولا او صدفة عابرة، بل هو استهداف مقصود وممنهج لـ “الدرع السيادي و الأمني” للمملكة. فالنجاعة المشهود بها عالميا للاجهزة الامنية المغربية في مكافحة الارهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، نجحت في تحويل المغرب الى واحة للاستقرار والريادة الامنية وسط محيط اقليمي مضطرب. ومن هنا، فان محاولة شيطنة هذه المؤسسات السيادية عبر تقارير وهمية تسعى اساسا الى اضعاف هذا الحصن المنيع، وهز ثقة الشركاء الدوليين في موثوقية الاجهزة المغربية، وضرب الجبهة الداخلية؛ وهي مؤامرة سقطت اقنعتها امام “الثبات الانفعالي” للمؤسسات المغربية، والردود القانونية الحازمة للمملكة، وصمود وعي المجتمع المغربي و إلتفافه حول المؤسسة الملكية الضامن الأول و الأخير لإستقرار و أمن الوطن و المواطنين .
- ملف عمر الراضي (جنايات الحق العام والتخابر الاقتصادي): لم تكن محاكمة عمر الراضي يوماً بسبب كتاباته، بل توبع في ملفين متداخلين؛ الأول يتعلق بـ “المس بالسلامة الخارجية للدولة” وتلقي تمويلات مشبوهة من جهات أجنبية، بناءً على اتصالات وتقارير مدفوعة الأجر كان يوفرها لشركات استشارة اقتصادية بريطانية وموظفين دبلوماسيين أجانب (تحديداً في السفارة الهولندية) بطرق تتجاوز العمل الصحفي وتدخل في نطاق العمل الاستخباراتي غير القانوني. والملف الثاني هو جناية “الاعتداء الجنسي و الاغتصاب بالهتك والعنف”، بناءً على شكاية رسمية ومواجهة مباشرة مع زميلة صحفية له اتهمته بالاعتداء عليها في صيف 2020، وهي القضية التي فصل فيها القضاء علنياً وأدانه بـ 6 سنوات سجناً نافذاً صوناً لحقوق الضحية المعتدَ عليها.
- ملف سليمان الريسوني (جناية هتك العرض والاحتجاز): توبع رئيس التحرير السابق لجريدة “أخبار اليوم” إثر تهم ثقيلة لا صلة لها بالخط التحريري للمؤسسة، بل شمل صك الاتهام جنايتي “هتك عرض شخص باستعمال العنف والاحتجاز”. وانطلقت مجريات هذه القضية عقب شكاية رسمية مدعومة بالأدلة تقدم بها شاب ناشط في مجتمع الميم، اتهمه فيها باستدراجه واحتجازه داخل منزله والاعتداء عليه جنسياً بـ”العنف المادي واللفظي”، وهي القضية التي جرت فيها المحاكمة وسط احترام تام لمساطر القانون الجنائي، وأيدت محكمة الاستئناف إدانته بـ 5 سنوات سجناً نافذاً مع تعويض مالي للضحية قدره 100 ألف درهم.
إن التدقيق في السرديات التي سوّقتها منصة “Forbidden Stories” حول ما أسمته بـ “العمليات العابرة للحدود” و”المسارات المالية المشبوهة”، يكشف بوضوح أننا أمام تكتيك استخباراتي مُغلف بغلاف “الاستقصاء”، يعتمد على “خيال السيناريوهات” لتعويض غياب الأدلة الجنائية. فعندما تغوص هذه المقالات في تفاصيل “هوليودية” حول وسطاء تقنيين، أو صفقات تسليح عبر شركات وهمية، أو تحويلات مالية لـ “شخصيات رمزية” كـ “مورغان”، فهي في حقيقة الأمر لا تقدم عملاً صحفياً، بل تُمارس عملية “هندسة للشك”؛ إذ يتم نسج قصص حول صفقات دولية (دولة إلى دولة G2G) تخضع لمعايير الرقابة الدولية، وتحويلها إلى سردية تآمرية تهدف إلى شيطنة التعاون الأمني الاستراتيجي الذي يربط المملكة بشركائها الدوليين، و بشكل خاص محاولة إستهداف العلاقات الإستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة و باقي القوى الدولية في الشرق الأوسط، كنوع من الابتزاز الجيوسياسي لضرب استقلالية القرار السيادي المغربي.
إن الادعاء بوجود “محور استخباراتي إقليمي” لغرض التجسس هو محاولة يائسة لتأجيج مخاوف الرأي العام الغربي من الصعود المغربي، متجاهلة عن قصد أن التعاون الأمني المغربي هو نموذج عالمي في مكافحة الإرهاب، وليس “مغامرة تقنية” خارج الأطر القانونية. إن المنصات التي تدعي “تتبع الأموال والصفقات” تعجز عن تقديم فاتورة واحدة أو وثيقة بنكية رسمية تثبت تورط المؤسسات السيادية المغربية في أي خرق قانوني؛ لأنها ببساطة تعتمد على “التفسيرات الاحتمالية” و”الربط التعسفي” للبيانات التقنية والعناوين الرقمية (IP)، وهي تقنيات يعرف أي خبير في الأمن السيبراني أنها قابلة للتلاعب والتحريف لتوجيه أصابع الاتهام نحو أطراف معينة، مما يثبت أن هذه المنظمات تمارس “تزييفاً تقنياً” لخدمة أجندات سياسية معادية. إن محاولة تصوير المغرب كـ “مدمن على التجسس” هي في واقع الأمر انعكاس لـ “إدمان” هذه المنصات على صناعة الفزاعات، وهروبها من مواجهة الحقائق المادية، ومحاولتها المستميتة لكسر التحالفات الاستراتيجية التي تجعل من المغرب فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه أو إملاء الشروط عليه.
خامساً: جغرافيا المال الموجه: تفكيك شبكات التمويل المشترك وأجندات الثورات الملونة
لا يمكن قراءة أي تحرك إعلامي عابر للحدود بمعزل عن تتبع مسارات هندسته المالية؛ فالمال هو المحرك الفعلي للأجندات، وفي العقيدة الجيوسياسية الحداثية، تحولت المنح السخية للمنظمات غير الحكومية إلى “سلاح ناعم” لزعزعة استقرار الدول الصاعدة. وعند إخضاع البنية التمويلية لمنصة “Forbidden Stories” للتشريح والتدقيق، يسقط قناع “العمل الصحفي المستقل” لتنكشف شبكة معقدة من الصناديق الفيلانثروبية والمؤسسات الغربية التي ارتبطت تاريخياً بالهندسة اللوجستية والمالية لأحداث “الربيع العربي” عام 2011، وبروتوكولات “الثورات الملونة” في شرق أوروبا. إن توجيه أموال هذه الكيانات لاستهداف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي (DGST) ليس صدفة عابرة، بل هو نقل حرفي لتكتيكات “شيطنة الحصون الأمنية” لإضعاف مناعة الدول الرافضة للوصاية.
وتتجلى أولى هذه التقاطعات المريبة في إدراج المنصة لـ “الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED) كأحد كبار مموليها المؤسساتيين. وتكشف المعطيات الموثقة أن هذا الصندوق، الممول مباشرة من الكونغرس الأمريكي، كان المهندس والمانح الرئيسي للحركات والنشطاء الذين قادوا اضطرابات الشرق الأوسط عام 2011، وتحديداً في مصر واليمن والبحرين، عبر برامج تدريبية متخصصة في توظيف المنصات الرقمية لصناعة الفوضى وتأليب الرأي العام. ويتكامل هذا الدور مع الدعم المالي الضخم الذي تتلقاه المنصة من “مؤسسة فورد” (Ford Foundation) و**”مؤسسة ماك آرثر” (MacArthur Foundation)**؛ وهما كيانان يمتلكان سجلاً حافلاً في تمويل برامج الانتقال السياسي وإعادة هيكلة المجتمع المدني في مناطق التوتر، وكان لهما الدور الأبرز في ضخ ملايين الدولارات خلال “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا (2004) وثورة “الميدان” (2014) تحت غطاء “تطوير الإعلام البديل”، والتي تبين لاحقاً أنها وُجهت لشل قدرة الأجهزة الأمنية للدول المستهدفة على ضبط الاستقرار.
وتتخذ اللعبة طابع التواطؤ المكشوف عند رصد التمويل المشترك الممتد لـ “شبكة أوميديار” (عبر مؤسستي Luminate وHumanity United) وتداخلها مع “صندوق ويلبرينغ الفيلانثروبي” (Wellspring) الممول الحالي للمنصة. إن “ويلبرينغ” يمثل القناة التمويلية الغامضة التي تضخ مئات الملايين من الدولارات لكل من منظمة العفو الدولية (Amnesty International) ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”. وهنا تظهر اللعبة الدائرية بوضوح؛ فالجهة المانحة التي تمول المنصة الإعلامية (Forbidden Stories) هي نفسها التي تمنح التوجيه والدعم المالي للمختبر التقني (Amnesty Tech) الذي صاغ “التقارير المزعومة” ضد المغرب. هذا التدوير الذاتي للمال والأدوار يفقد التحقيق أي مصداقية علمية أو استقلالية أخلاقية، ويؤكد أنها شبكة مغلقة لتصنيع الاتهامات الجاهزة لخدمة أجندة الممول المشترك.
و ينكشف الوجه الجيوسياسية لهذه التمويلات عبر صدارة مؤسسة “Adessium” الهولندية لقائمة المانحين، وهي الصناديق التي تتحرك وفق حسابات سياسية واضحة لبعض دوائر شمال أوروبا التي عانت لسنوات من “عقدة الندية” الدبلوماسية والاستراتيجية مع الرباط، خاصة بعد الرفض المغربي الحازم لأي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية. إن فضح الجغرافيا المالية لمنصة “Forbidden Stories” يمثل الهجوم الاستراتيجي الفعلي الذي يعري حقيقة قضية “بيغاسوس” المفتعلة؛ إذ يدرك المواطن المغربي بوعيه الصلب أن توجيه أموال إسقاط الأنظمة وزعزعة الاستقرار نحو المملكة ليس دفاعاً عن حقوق الإنسان أو الخصوصية الرقمية، بل هو محاولة لمعاقبة المغرب على خياراته السيادية الكبرى، ونجاعته الأمنية الإقليمية، وصمود جبهته الداخلية خلف القيادة الملكية المتبصرة.
إن معركة “بيغاسوس” لم تكن يوماً مجرد سجال إعلامي، بل كانت اختباراً لقوة المؤسسات المغربية في مواجهة محاولات التنميط والتشويه العابر للحدود. لقد انتقل المغرب في مواجهته لهذا التضليل من موقع الدفاع إلى انتزاع “صكوك براءة دولية” موثقة من قلب العواصم التي اتخذتها تلك المنصات منصات انطلاق لهجومها. ففي الوقت الذي تعجز فيه تلك الجهات عن تقديم دليل جنائي واحد، قدم القضاء والمؤسسات الأمنية في دول أوروبية شهادات حاسمة تعري زيف هذه الحملات، وتؤكد أنها ليست سوى “فقاعات إعلامية” تذوب وتتلاشى أمام صرامة التحقيقات الرسمية المستقلة.
وتتجلى هذه البراهين الدامغة في ثلاث محطات قضائية وأمنية مفصلية:
إسبانيا: شكّل التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني الصادر عن الأجهزة الاستخباراتية التابعة لرئاسة الحكومة (مارس 2024) تفنيداً رسمياً للمزاعم؛ حيث أكدت الوثيقة الحكومية الرسمية، بناءً على فحص تقني شامل للمجال السيبراني، خلوّ الساحة من أي مؤشرات تثبت تورط المغرب في عمليات اختراق أو تدخل في الشؤون الداخلية لإسبانيا. وتَكرّس هذا الموقف المؤسساتي الحاسم بالرد البرلماني الصادر عن السلطة التنفيذية في مدريد، والذي قطع الطريق نهائياً أمام محاولات إقحام اسم الرباط في هذه الشائعات، مؤكداً على متانة الشراكة الاستراتيجية ومشدداً على أن العلاقات الثنائية أسمى من هذا التشويش المفتعل. وفي السياق ذاته، جاء قرار المحكمة الوطنية الإسبانية (Audiencia Nacional) ليؤكد هذا المسار، بعدما تبين للقضاء عجز الجهات المشتكية عن تقديم أي أدلة مادية ملموسة، مما دفع القاضي إلى حفظ الملف لانتفاء الحجج التقنية المستقلة.
فرنسا: سجلت أحكام محكمة الاستئناف في باريس (أبريل 2023) انتصاراً للموقف المغربي؛ إذ قضت بعدم قبول دعاوى التشهير من زاوية إجرائية مبدئية، مكرسةً القواعد القانونية التي تمنع استغلال القضاء في حملات سياسية. ولقد أكد هذا المسار، بعيداً عن صخب المنابر الإعلامية، أن الاتهامات الموجهة للمملكة بالتجسس تفتقر لأي حُجية قضائية مادية، وظلت مجرد ادعاءات عجزت المنظمات المروجة لها عن إثباتها عبر قنوات التحقيق الجنائي النزيه، مما يزكي النفي القاطع والصارم للمملكة المغربية.
البرلمان الأوروبي: رغم الضغوطات السياسية المكثفة والتوجهات المسبقة التي شهدتها لجنة التحقيق (PEGA) التابعة للبرلمان الأوروبي، جاءت الخلاصات والتوصيات النهائية الصادرة عنها (يونيو 2023) خالية من أي إدانة مادية أو قانونية مباشرة ضد المملكة المغربية. واكتفت اللجنة في صياغة تقريرها بالارتكاز على “فرضيات واستنتاجات” مستقاة بالكامل من قصاصات صحفية وتقارير غير رسمية، عاجزة كلياً عن تقديم أي إثبات تقني قطعي أو حجة جنائية صادرة عن مختبرات أوروبية محايدة تدين أجهزة الدولة. وهو ما أكد افتقار أعمال اللجنة للمقومات الجنائية والتقنية النزيهة، وتحول الملف إلى أداة تسييس داخل ردهات الاتحاد الأوروبي، بما يزكي الموقف المغربي الثابت والرافض للاتهامات المجردة من الأدلة.
وعلى الصعيد الفني الدولي، تعزز الموقف المغربي بمراجعات علمية ودراسات مضادة رصينة فكّكت المنهجية الرقمية المعتمدة من قِبل المنظمات غير الحكومية؛ حيث أثبتت التقارير التحليلية لمراجعة الأقران (Peer Review) ومختبرات الأمن السيبراني المحايدة أن تلك الاستنتاجات تفتقر بشكل فج لمعايير التحقيق الجنائي الرقمي (Digital Forensics) المقبولة قضائياً، وشابتها عيوب ‘الارتباط الزائف’ وخلط البيانات. وبيّنت التحريات البرمجية المعمقة والهندسة العكسية (Reverse Engineering) للأنظمة أن المؤشرات الرقمية التي استغلتها الدعاية الإعلامية كأدلة اختراق، لا تعدو كونها مخلفات تقنية اعتيادية (Artifacts) وسجلات معالجة آلية خلفية (Background Processes) لنظام ملفات نظام التشغيل (iOS) وعمليات الـ (Sandbox)؛ وتحديداً سجلات المعالجة الفرعية داخل جداول قواعد البيانات الجنائية (مثل ملفات Data Usage وقواعد بيانات المزامنة الروتينية لـ CloudKit وسيرفرات شركة Apple لإرسال الإشعارات التلقائية APNs). وهي ملفات وملفات تشخيصية (Diagnostic Logs) تُنشئها نواة النظام (Kernel) ذاتياً لتنظيم العمليات الخلفية للشبكات والخدمات الروتينية والتطبيقات التجارية العادية، ولا تحمل أي دلالة برمجية على وجود برمجيات خبيثة أو حدوث اختراق فعلي، فضلاً عن استحالة اتخاذها معياراً تقنياً لنسبة أي بصمة سيبرانية (Cyber Signature Attribution) إلى دولة معينة، مما أسقط الأساس الفني والعلمي للحملة الموجهة ضد المملكة بالكامل ودحض تماماً رواية التشويش الافتراضي.
ختاما إن هذه المعطيات ليست مجرد ردود تقنية أو سجالات عابرة، بل هي وثائق استراتيجية تدكُّ حصون “Forbidden Stories” وتكشف زيف طروحاتها كأداة تشويش إعلامي لا تملك أدنى مقومات الصمود أمام صرامة الحقيقة القضائية. لقد وجهت الرباط رسالةً استراتيجيةً حاسمة للمنتظم الدولي؛ مفادها أن السيادة المغربية، بمختلف أبعادها الرقمية والمؤسساتية، ليست رهينةً لأهواء الدوائر المسيسة أو مختبرات الابتزاز، بل هي حصنٌ منيعٌ يُصانُ بصرامة الكفاءة الأمنية، ويُكرسُ بوقار القضاء المستقل الذي أنصف المملكة وأسقط الأقنعة عن مدعي النزاهة.
إن مغرب القرن الحادي والعشرين، بمكانته كقطب إقليمي فاعل وشريك استراتيجي موثوق، قد تجاوز بذكاءٍ سيادي مرحلة “رد الفعل” التقليدي، ليفرض معادلة جديدة تعتمد على “الفعل الاستباقي” والندية الاستراتيجية. فبينما تتهاوى سرديات البروباغندا وتتبدد فصول فبركاتها أمام حائط المصداقية المغربي، يظل الدرع الأمني والسيادي للمملكة صرحا عصيا على الاختراق، محميا ببوصلة رؤية ملكية متبصرة لا ترضى إلا بالاستقلالية الكاملة للقرار الوطني.
لقد أثبتت التجربة أننا أمام تحول نوعي؛ حيث تحولت “الحقيقة المغربية” إلى قوة ردع استراتيجية تُربك حسابات خصوم التنمية، وتُعيد صياغة قواعد الاشتباك الدبلوماسي. إن المملكة لا تدافع عن سيادتها فحسب، بل تُعيد ترسيم معالم حضورها الدولي كقوة استقرار محورية، ترفض الوصاية، وتفرض الندية، وتصيغ تحالفاتها انطلاقا من ثوابت السيادة وصرامة الحق. إن هذه الحملات، بآلتها الدعائية المتهالكة، لم تكن سوى محطة إضافية أكدت للعالم أن المغرب، بمؤسساته السيادية الصلبة وإرادته السياسية المتجذرة، عصيٌ على كل محاولات التنميط والابتزاز، وماضٍ بكل ثقة في ترسيخ صعوده الاستراتيجي في فضائه الإقليمي والدولي، قاطعا الطريق نهائيا أمام أوهام الهيمنة و مخططات الإبتزاز الجيوسياسي.

