تواجه أسر تقطن منازل في المدينة العتيقة لتطوان خطر فقدان مساكنها، بعدما انتقلت ملكية عدد من العقارات إلى أقارب أصحابها الأصليين بموجب عقود هبة، أعقبتها مطالبات بالإفراغ بدعوى الحاجة الشخصية إلى السكن، في نزاعات تثير تساؤلات بشأن الضمانات القانونية للمكترين القدامى.
وتقول أسر معنية بهذه الملفات إنها تقيم في المنازل المعنية منذ أكثر من خمسين عاما، وإنها واظبت على أداء واجبات الكراء، كما تحملت نفقات إصلاح وترميم مبان كانت تعاني من تدهور حالتها الإنشائية، قبل أن تجد نفسها أمام احتمال مغادرتها دون توفرها على بدائل سكنية مناسبة.
وبحسب إفادات المتضررين، نقل بعض الملاك الأصليين ملكية عقاراتهم إلى أفراد من عائلاتهم عن طريق الهبة، قبل أن يتقدم المستفيدون منها بطلبات لاسترجاع المنازل بداعي الاحتياج الشخصي. وترى الأسر أن هذا التسلسل يستدعي التحقق من مدى جدية الحاجة المعلنة، وما إذا كانت عمليات نقل الملكية قد استهدفت إنهاء علاقات كرائية قائمة منذ عقود.
ويطالب المتضررون القضاء بالتدقيق في ظروف إبرام عقود الهبة ومدى استيفاء طلبات الإفراغ للشروط القانونية، مؤكدين أن انتقال ملكية العقار لا ينبغي أن يؤدي تلقائيا إلى حرمان المكتري من الضمانات التي يكفلها له القانون.
وينظم القانون رقم 67.12 العلاقات بين المكري والمكتري، وينص على استمرار عقد الكراء رغم انتقال ملكية العقار إلى مالك جديد، سواء عن طريق البيع أو الهبة، بما يعني أن تغيير صاحب الملكية لا ينهي العلاقة الكرائية في حد ذاته.
ويخضع الإفراغ بسبب الاحتياج الشخصي لشروط قانونية محددة، من بينها، وفق المقتضيات المشار إليها في النزاع، مرور مدة لا تقل عن 18 شهرا على تملك طالب الاسترجاع للعقار قبل توجيه إشعار الإفراغ، مع مراعاة الشروط والاستثناءات المنصوص عليها قانونا بشأن وضعية طالب الاسترجاع والمستفيد من السكن.
وتبرز مدة التملك وطبيعة العلاقة بين المالك السابق والجديد ضمن العناصر التي قد تؤثر في مآل هذه القضايا، خصوصا أن احتساب مدة تملك المالك السابق يستفيد منه، وفق النص القانوني المشار إليه، الورثة والموصى لهم والمكفولون في حالات محددة، ولا يمتد بالضرورة إلى المستفيدين من الهبة.
ولا تعد الهبة في حد ذاتها مخالفة قانونية، باعتبارها وسيلة مشروعة لنقل الملكية دون مقابل، غير أن المالك الجديد يظل مطالبا باستيفاء الشروط اللازمة لاسترجاع العقار، ولا يكتسب بمجرد تسجيله باسمه حقا مطلقا في إنهاء عقد الكراء.
وفي الجانب الاجتماعي، تقول أسر متضررة إنها تسلمت منازلها قبل عقود وهي في حالة متدهورة، واضطرت إلى الاقتراض وإنفاق مبالغ على إصلاح الأسقف والجدران والمرافق الأساسية لجعلها صالحة للسكن. وترى هذه الأسر أن الأشغال التي أنجزتها ساهمت في الحفاظ على مبان تاريخية كان بعضها مهددا بالتداعي.
لكن هذه النفقات لا تمنح المكتري ملكية العقار تلقائيا، فيما تظل إمكانية المطالبة بالتعويض مرتبطة بطبيعة الأشغال المنجزة والاتفاقات المبرمة بشأنها والقواعد القانونية ذات الصلة.
وتكتسب هذه النزاعات بعدا إضافيا بالنظر إلى القيمة التاريخية للمدينة العتيقة لتطوان، التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1997، بفضل خصائصها المعمارية وتخطيطها الحضري المتأثر بالتراث الأندلسي.
كما عزز المغرب حماية المدينة في سبتمبر 2025 بقرار يقضي بتقييدها في عداد الآثار الوطنية، بما يخضع التغييرات التي تمس مكوناتها التراثية لضوابط خاصة. غير أن هذا التصنيف لا يلغي حقوق الملاك القانونية، ولا يحسم في حد ذاته النزاعات المتعلقة بالكراء والإفراغ.
وينص الإطار القانوني المنظم للعلاقات الكرائية، في حالات محددة، على تعويض المكتري عند تصحيح إشعار الإفراغ، بما يشمل ما يعادل واجب كراء سنة ومصاريف الانتقال المثبتة، مع إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر إذا ثبت أن الإفراغ استند إلى سبب غير صحيح أو لم ينفذ المالك الغرض الذي استرجع العقار من أجله.
ولم تتوفر معطيات موثقة بشأن العدد الإجمالي للأسر المعنية بطلبات الإفراغ في المدينة العتيقة لتطوان، أو عدد الملفات التي وصلت إلى مرحلة الأحكام القضائية، كما لم تتضح مواقف الملاك المعنيين من الاتهامات التي وجهتها إليهم الأسر.
وفي انتظار مآل هذه النزاعات، يتمسك المتضررون بضرورة إخضاع كل ملف لفحص مستقل يراعي شروط الإفراغ وظروف انتقال الملكية وطبيعة الأشغال المنجزة، وسط مخاوف من أن يؤدي حسم الخلافات العقارية إلى فقدان أسر محدودة الدخل مساكن ارتبط بها استقرارها الاجتماعي والمعيشي على مدى أجيال.

