وضع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية مقترح الحكم الذاتي في صلب المرحلة الجديدة من المفاوضات، بعدما انتقل النقاش خلال جولات 2026 من مجرد عرض مواقف الأطراف إلى بحث تفاصيل الحل وحدوده وضمانات تنفيذه والترتيبات التي قد تسبق إقراره.
ويكشف التقرير أن المغرب قدم خلال يناير 2026 “مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي” يطور المبادرة التي عرضها عام 2007، وشارك الوثيقة مع المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا والولايات المتحدة، إضافة إلى الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
وأوضح التقرير أن الوثيقة المغربية لم تقدم باعتبارها اتفاقا نهائيا، وإنما كأرضية للتفاوض قابلة للنقاش والتطوير بين الأطراف.
وخلال الجولة الأولى من المحادثات في واشنطن، عرض المغرب النسخة المطورة من مقترح 2007، وقدم إجابات عن الملاحظات والأسئلة التي أثارها المشاركون والرئيسان المشاركان للمفاوضات، بحسب التقرير.
كما أبدت الرباط استعدادها للتفاوض مع جبهة البوليساريو بشأن حل “مقبول من الطرفين” وتنفيذه، بما يجعل صياغة النتيجة النهائية، وفق التقرير، ثمرة للتفاوض المشترك وليس مجرد تبني أحادي لمقترح قائم.
تفاصيل الحكم الذاتي تدخل صلب التفاوض
ولا يقدم التقرير الحكم الذاتي باعتباره صيغة نهائية مكتملة العناصر، بل يشير إلى أن تفاصيله وصلاحياته وحدوده وضمانات تنفيذه أصبحت من الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات.
وخلال الجولة الثالثة في واشنطن، تناولت المحادثات بصورة مباشرة مسألتي تقرير المصير والسيادة، وهما من أكثر القضايا الخلافية في مسار البحث عن تسوية سياسية يقبل بها الطرفان.
ونظرا لاستمرار التباينات بشأن هذين الملفين، جرى بحثهما بصورة منفصلة مع الأطراف بهدف تحديد نقاط يمكن البناء عليها للوصول إلى حلول محتملة.
وبحسب التقرير، شدد دي ميستورا على أن أي صيغة للحكم الذاتي ينبغي أن تستوفي “أعلى المعايير الدولية”، وأن الانتقال نحو حكم ذاتي فعلي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية.
كما ربط المبعوث الأممي أي تسوية نهائية بإجراء تشاور ذي معنى مع سكان الإقليم، في إطار مبدأ تقرير المصير.
مجلس انتقالي وترتيبات للمرحلة المقبلة
وتشير تفاصيل المفاوضات إلى أن النقاش لم يتوقف عند طبيعة الحل السياسي، بل امتد إلى ترتيبات المرحلة الانتقالية التي يمكن أن تسبق الوصول إلى تسوية نهائية.
وخلال الجولة الثانية في مدريد، ناقش المشاركون إمكانية إنشاء مجلس انتقالي يتولى إدارة عدد من الملفات خلال المرحلة الانتقالية، ويوفر في الوقت نفسه إطارا للتفاوض بشأن تفاصيل حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه.
وشملت النقاشات الضمانات الدولية وآليات التنفيذ وتقاسم الموارد والعفو والمصالحة، إضافة إلى نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والترتيبات الأمنية والأنظمة الانتخابية.
وبناء على طلب المشاركين، أعد فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة مشروع اتفاق إطار أولي بشأن مرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب مقترحات لتقريب المواقف بشأن الملفات محل الخلاف.
وبعد جولات التفاوض والمشاورات اللاحقة، أعد دي ميستورا، بالتنسيق مع مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسودة منقحة لاتفاق إطار يتعلق بالمرحلة الانتقالية.
من الإطار الانتقالي إلى نموذج مفصل للحكم الذاتي
وتبرز في التقرير إشارة إلى أن اعتماد اتفاق الإطار يمكن أن يمهد لمفاوضات لاحقة بشأن “نموذج مفصل للحكم الذاتي” في الصحراء المغربية، بالتوازي مع عملية تشاور ذات معنى مع سكان الإقليم.
وبذلك يرسم التقرير مسارا تفاوضيا متعدد المراحل يبدأ باتخاذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمحادثات، ثم بحث اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وصولا إلى التفاوض حول نموذج أكثر تفصيلا للحكم الذاتي، مع مناقشة الضمانات الدولية وآليات التنفيذ والتشاور مع السكان.
ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بقدرة الأطراف على تضييق هوة الخلاف حول قضايا السيادة وتقرير المصير، والتوصل إلى ترتيبات تحظى بقبول الأطراف المعنية وتستجيب للمعايير التي يطرحها المسار الأممي.

