ليست المزونة سوى عتبة جديدة في رحلة الانهيار الهادئ لجمهوريةٍ تسلّم زمامها رئيس مهووس بالسلطة، قرّر أن يبني مجده على أنقاض المؤسسات والدستور والدولة الاجتماعية.
تماما كما انطلقت الشرارة الأولى من سيدي بوزيد سنة 2010، ها هي الأرض ذاتها تشتعل مجدداً سنة 2025، لكن هذه المرة تحت قبضة ديكتاتور يراكم القرارات الفاشلة والعداوات المجانية، حتى صار الحديث عن “الجمهورية الجديدة” مدعاة للسخرية في أوساط النخب والشباب على حد سواء.
منذ أن أطاح قيس سعيد بكل مظاهر النظام الديمقراطي الوليد سنة 2021، وجمّد البرلمان وحلّه، ثم دسّ دستوراً على مقاسه سنة 2022، شرعت تونس في رحلة انحدار سياسي واقتصادي واجتماعي غير مسبوقة.
بلد يعاني من التضخم، الانحباس المالي، تآكل القدرة الشرائية، وانسداد أفق الإصلاح. فالمؤسسات الدستورية تم تفكيكها، والسلطات القضائية تم تجريدها من استقلاليتها، والنقابات ووسائل الإعلام باتت تُعامل كخصوم، لا كشركاء في بناء الدولة.
وسط هذا الخراب، يواصل الرئيس التلويح بخطابات خشبية مفرغة من أي مضمون واقعي، غير آبه بنداءات الداخل والخارج.
لكن الأخطر من كل هذا هو التهور الدبلوماسي الذي مارسه سعيد، حين أدخل تونس في لعبة المحاور الإقليمية، وجعلها رهينة لتوجهات النظام العسكري الجزائري، في قطيعة غير مفهومة مع محيطها المغاربي الطبيعي.
استقباله الوقح لزعيم عصابة البوليساريو صيف سنة 2022، في حضن الدولة التونسية، لم يكن مجرد انحراف دبلوماسي، بل كان إعلانا ضمنيا عن خضوعه لوصاية خارجية، وإساءة مباشرة لعلاقات تاريخية مع دول صديقة على رأسها المغرب، الذي لطالما تعامل مع تونس بمنطق الاحترام، حتى في أشد المراحل توترا.
لقد تلقى المغرب، في عزّ انشغاله بإعادة ترتيب البيت الإفريقي وإنجاح دينامية التعاون جنوب-جنوب، طعنة غادرة من جار كان يُفترض أن يقدّر مواقفه الأخوية في أصعب المراحل. طعنة لم تكن لتقع لولا الاستسلام الكامل لقيس سعيد أمام إغراءات النظام الجزائري، الذي يحاول جرّ المنطقة إلى مربّع الاصطفاف العدائي، بدل مد جسور الاندماج والتكامل.
بل إن مجرد الإشارة إلى الوحدة المغاربية صارت اليوم تُعتبر تهديدا في خطاب السلطة التونسية، التي تفضّل التحالف مع الهوس الانفصالي على الانخراط في منطق الوحدة والسيادة المشتركة.
وسْط هذا السياق الإقليمي الملبد، ها هي تونس تُستدرج إلى دوامة الأزمات الداخلية من جديد، حيث تعيد المزونة، بلدة صغيرة نائية، بعث أسئلة كبرى عن جدوى الدولة، وصدقية الخطاب السياسي، ومدى ارتباط السلطة بواقع الناس.
الشباب الذين خرجوا غاضبين بعد مقتل ثلاثة تلاميذ بانهيار جدار داخل مؤسسة تعليمية يوم 15 أبريل 2025، لا يحتجون فقط على هشاشة البنية التحتية، بل على هشاشة الدولة نفسها، وعلى سقوط المعنى العام للمواطنة.
ففي بلدٍ يفترض أنه يحتفل بذكرى ثورة 17 دجنبر 2010، لا تزال المدارس تنهار، والمستشفيات تعاني، والطرقات تتآكل، والسلطة تُكابر.
لم يكلّف سعيد نفسه حتى إصدار بيان تعزية، أو إرسال وفد وزاري لمواساة أسر الضحايا، وكأن الأمر لا يعنيه.
وفي المقابل، لم يتردّد في الزجّ بمدير المعهد في السجن، وتحميله المسؤولية كاملة، في استنساخ فجّ لأسلوب “كبش الفداء”.
الرسالة واضحة: تونس ليست بخير. وأي محاولة لتصوير الانهيار كأعراض عرضية سيتم مواجهتها بصرخات من المزونة، وصفعات من سيدي بوزيد، وصمت دولي بدأ يتحوّل تدريجيا إلى قلق صريح من مصير دولة في قبضة رجل واحد.
فحتى الدول التي ساندت تونس في مراحل سابقة، بدأت تتحفّظ على المسار الحالي، خصوصا في ظل غياب بوادر الانفراج، وتفاقم منسوب القمع والارتجال.
لم تعد المسألة متعلقة بحسابات داخلية، بل باتت جزءا من المشهد الجيوسياسي للمنطقة، حيث تعي الرباط جيدا أن الاستقرار لا يبنى على مهادنة الأنظمة المتهورة، بل على رسم حدود واضحة بين من يؤمن بالتكامل المغاربي، ومن اختار أن يكون بيدقاً في رقعة صراعات بالية.
المغرب اليوم يتقدّم بثبات داخل إفريقيا، ويصوغ تحالفات استراتيجية عابرة للقارات، في حين تعيش تونس حالة من العزلة الذاتية والانكماش السياسي، بسبب اختيارات رئيس خرج عن الإجماع الوطني والدبلوماسي.
سعيد، في نهاية المطاف، لا يعبّر عن تونس ولا عن تاريخها ولا عن شعبها. إنه يمثل لحظة شاذة في مسار نضالي طويل، سرعان ما ستنتهي كما بدأت: بصيحات غضب من أعماق البلاد المنسية، التي ترفض أن تُستخدم مطية لمغامرات عبثية، وتصرّ على أن السيادة لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل المسؤول، والإرادة الجماعية، والوفاء للعمق الحضاري المغاربي المشترك.

