لم يعد من المجدي اليوم، ونحن تحت وقع الصدمة، أن نطالب المغاربة بمواراة غضبهم أو تهذيبه قسرا خلف قناع “الروح الرياضية” البارد.
إن ما حدث في نهائي العرس الإفريقي تجاوز، بوضوح فج، حدود التنافس الكروي المعتاد فوق المستطيل الأخضر، ليتحول إلى مشهدية سوريالية من الاستهداف الممنهج.
لم تكن مجرد مباراة خسرها منتخب وطني، بل كانت لحظة تكالب نفسي وإعلامي شرس، حاولت النيل من كبرياء أمة اختارت الصعود بهدوء وثقة، فوجدت في القارة من يضيق صدره بهذا الصعود، ومن لا يحتمل رؤية نموذج مغربي يكرس حضوره كقوة ناعمة وفاعلة.
إن غضب الشارع المغربي اليوم ليس مجرد انفعال عاطفي عابر، بل هو رد فعل “مشروع” تماما على حفلات الشماتة والاستخفاف التي انطلقت من عقالها، وعلى انزلاقات إعلامية غير مسؤولة.
ولعل ما زاد من مرارة هذا الشعور هو صدور بعض تلك الأصوات النشاز من الجارة السنغال، تلك التي نسفت، بوعي أو بدونه، رصيدا تاريخيا من الود والتضامن، متجاهلة حرارة الاستقبال التي خصتها بها مدينة طنجة، التي فتحت ذراعيها للضيف قبل مدرجاتها. هذا الجحود يبرر الألم، ويشرعن الشعور بالخذلان.
لكن، وهنا يكمن جوهر الموقف الأخلاقي الذي يجب أن نتمسك به بصرامة: هل يمنحنا هذا الألم صكا مفتوحا للانزلاق نحو خطاب الكراهية؟ هل يبرر لنا تحويل الإحباط الرياضي إلى لغة طرد، وعزل، وتعميم عنصري بغيض؟ الجواب، بمنطق العقل والمصلحة العليا، هو “لا” قاطعة.
إن ما يحدث الآن أخطر بكثير من مجرد “انفلاتات في التعليقات” على منصات التواصل؛ نحن أمام محاولة خبيثة ومدروسة لجر المغاربة إلى فخ استراتيجي محكم. فخ يهدف إلى تحويل الضحية إلى جلاد، وقلب صورة النموذج المتوازن إلى صورة مشوهة تغرق في وحل العنصرية.
ثمة من يتربص بالمغرب، ويريد له أن يواجه سوء النية بسوء نية مماثل، لينسف بيده ما راكمه لسنوات طويلة من “رأسمال أخلاقي” وتنموي، وما بناه من جسور الانفتاح الإفريقي والدبلوماسية الهادئة.
إن الرد بنفس أسلوب الخصوم هو خطأ استراتيجي قاتل، وهدية مجانية لأطراف لا تخفي نياتها غير البريئة في استثمار لحظة توتر رياضي لإثارة غبار سياسي يعكر صفو العلاقات المغربية الإفريقية.
لا أحد ينكر وجود خصومات، ولا حسابات سياسية ضيقة تحاول الركوب على الحدث، لكن الرد الحقيقي والذكي لا يكون بالكراهية، ولا بالسقوط في فخ ثنائية “نحن وهم”.
الرد يكمن في الوعي، وفي ضبط الغضب وتوجيهه، وفي عدم منح خصوم المملكة ما يبحثون عنه بلهفة: صورة بلد ينقلب على قيمه الإنسانية والحضارية تحت أول ضغط. المغرب، بتاريخه وعمقه، أكبر من مباراة كرة قدم، وأقوى من أي استفزاز عابر، وأذكى من أن يستدرج إلى مستنقع خطاب سيكلفه دبلوماسيا وأخلاقيا أكثر مما قد يكلف خصومه. الغضب حق إنساني، لكن الكراهية فخ، والسمو عنها هو الانتصار الحقيقي.

