أثار مقطع مصور للكاتب الجزائري حامد ياسين وهو يبكي خلال حفل توقيع كتابه الجديد في مدينة بئر العاتر بولاية تبسة، بعد غياب الجمهور عن الموعد، موجة تضامن واسعة في الأوساط الثقافية العربية، وأعاد إلى الواجهة النقاش بشأن تراجع الإقبال على القراءة، وصعوبات تسويق الكتب، ومسؤولية دور النشر والمنظمين في إيصال الأعمال الأدبية إلى القراء.
وظهر ياسين جالسا خلف طاولة وضعت عليها نسخ من كتابه «الصحراء عاصمة الضباب»، بينما بدت القاعة شبه خالية، باستثناء صديق رافقه إلى الحفل وحاول مواساته بعدما غلبه التأثر. وسرعان ما انتشر المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي، متجاوزا الحدود الجزائرية إلى صفحات كتاب ومثقفين في بلدان عربية عدة.
وقال الكاتب الجزائري، في تصريح لقناة الشروق المحلية، إن دموعه كانت عفوية وجاءت نتيجة ضغوط تراكمت على مدى سنوات، في ظل الصعوبات التي واجهها خلال مسيرته الأدبية وشعوره بغياب الدعم والمساندة.
وأوضح أن الكتاب الذي كان يستعد لتوقيعه هو ثالث أعماله، ويتناول قضايا اجتماعية وثقافية وتربوية، مع تركيز على إشكالات التعليم والتربية في العالم العربي والإسلامي. وأضاف أنه حاول تقديم هذه الموضوعات بأسلوب سلس، مستعينا بشخصيات معقدة وعناصر تشويق لتجنب الطرح المباشر للأفكار.
تضامن عربي وأسئلة عن واقع الثقافة
وأثار المشهد ردود فعل واسعة بين كتاب ومثقفين عرب، رأى عدد منهم أن الواقعة تتجاوز خيبة كاتب لم يحضر الجمهور حفل توقيعه، لتطرح أسئلة بشأن مكانة الكتاب في الحياة اليومية، ومدى اهتمام المجتمعات العربية بالأنشطة الثقافية.
وعبر الكاتب المغربي سعيد حاجي عن تأثره بالمشهد، مشيرا إلى أن الكاتب يستعد عادة لحفل التوقيع بتوقعات عن لقاء القراء ومناقشة أفكاره والإجابة عن أسئلتهم، قبل أن يصطدم بقاعة لا يجد فيها من يصغي إليه.
واعتبر حاجي أن الواقعة تطرح سؤالا أوسع بشأن الجمهور الذي يكتب المثقفون من أجله، في وقت تبدو فيه الكتب بعيدة عن اهتمامات قطاعات من المجتمع، مقارنة بالأنشطة الترفيهية والفنية التي تستقطب أعدادا أكبر من الحضور.
من جهته، رأى الكاتب عبد العزيز العبدي أن دموع ياسين لم تكن مرتبطة بالكتاب وحده، بل بالمسار الطويل الذي قطعه صاحبه أملا في لقاء قرائه، قبل أن يجد نفسه أمام مقاعد فارغة. أما الكاتب المصري فوزي العشماوي، فعبر عن أسفه لما حدث، داعيا ياسين إلى تجاوز التجربة وعدم السماح لها بإحباطه.
وربط العشماوي الواقعة، بحسب تقديره، بتراجع جاذبية القراءة وضعف المشاركة في الفعاليات المرتبطة بالكتاب، في مقابل الحضور المتزايد للصورة والفنون البصرية والغناء.
هل يكفي التعاطف لإنجاح الكتاب؟
وفي مقابل موجة التضامن، دعا الكاتب والصحافي المصري محمد عبد الرحمن محمود إلى تجاوز التأثر بالمشهد نحو بحث الظروف التي أحاطت بتنظيم حفل التوقيع، ومدى التعريف بالكتاب والإعلان عن موعد الفعالية ومكانها.
وقال، في مقال بعنوان «دموع حامد.. الأكثر مبيعا من كتبه»، إنه لم يجد ما يثبت افتعال الكاتب للمشهد، لكنه تساءل في المقابل عن حجم الجهود التي بذلت للترويج للعمل واستقطاب القراء.
وشدد على أن الكتاب، شأنه شأن المنتجات الثقافية الأخرى، يحتاج إلى الإعلان والتسويق والتعريف بأماكن بيعه، معتبرا أنه لا يمكن تحميل الجمهور مسؤولية عدم الحضور إذا لم يكن على علم بالفعالية أو بالعمل الأدبي.
وفي السياق ذاته، طرح موقع «الطريق نيوز» الجزائري تساؤلات بشأن حدود مسؤولية القراء عن دعم الكتاب، وما إذا كان اقتناء الأعمال الأدبية ينبغي أن يكون بدافع مساندة أصحابها، أم أن الشراء يظل قرارا شخصيا تحكمه اهتمامات القارئ وتقييمه للعمل.
وهكذا، تحول مشهد الكاتب الجزائري أمام القاعة الفارغة من واقعة مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى نقاش أوسع بشأن العلاقة بين الكاتب والقارئ، وأهمية الترويج الثقافي، وحدود التعاطف مع المؤلفين في سوق لا يضمن فيها الاهتمام الإعلامي بالضرورة نجاح الكتاب أو انتشاره.
وبين من رأى في دموع ياسين مؤشرا على أزمة القراءة، ومن دعا إلى مساءلة أساليب تنظيم الفعاليات وتسويق الكتب، أعادت الواقعة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تقريب الكتاب من الجمهور، وتحويل الاهتمام العابر على مواقع التواصل الاجتماعي إلى قراءة فعلية واقتناء مستدام للأعمال الأدبية؟

