وطن 24 من الرباط
دخل ملف الصحراء مرحلة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، عقب الانتهاء الرسمي لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) في 31 أكتوبر 2026.
وجاء هذا التطور إثر عجز مجلس الأمن الدولي عن التوافق، بعدما اصطدم مشروعا قرار متنافسان تقدمت بهما الولايات المتحدة وروسيا بحائط الخلافات العميقة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل العملية السياسية، والأمن الإقليمي، وطبيعة الحضور الأممي في المنطقة.
وابتداء من الأول من نونبر الجاري، باشرت الأمم المتحدة تصفية عملياتها الميدانية لبعثة تأسست عام 1991. وتشمل العملية المعقدة سحب نحو 160 مراقبا عسكريا و180 موظفا مدنيا، وإغلاق 13 منشأة وتسليمها.
ورغم هذا الانسحاب، سارعت المنظمة الأممية إلى التأكيد على تمسكها بالبحث عن تسوية سياسية عادلة ومتوافق عليها، عبر مبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا.
هذا التحول المؤسسي العميق لا يعني إغلاق الملف داخل أروقة الأمم المتحدة، ولا يمثل تسوية قانونية نهائية. ومن خلال قراءة متأنية للوثائق الأممية والتقارير الميدانية، تتبلور أربعة سيناريوهات أساسية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة.
مفاوضات جديدة على أرضية الحكم الذاتي
ويتمثل السيناريو الأول في انتقال الجهود الدبلوماسية نحو مناقشة تفصيلية لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007. وقد اكتسب هذا الطرح موقعا متقدما في القرار الأممي 2797 (أكتوبر 2025)، الذي دعا إلى مفاوضات تتخذ من المبادرة المغربية أساسا لها.
وخلال مداولات أكتوبر 2026، سعت واشنطن لتعزيز هذا التوجه عبر مشروع قرار يعتبر المبادرة “الأساس الوحيد” لاستمرار المحادثات، إلا أن الفيتو الروسي أجهض المسعى رغم دعم 11 دولة.
وفي هذا السياق، قد تنصب الاتصالات المستقبلية على الهندسة الدستورية للحكم الذاتي، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والجهة، والضمانات القانونية.
بيد أن التحدي الأكبر يبقى متمثلا في إيجاد صيغة تفاوضية تقبل بها جبهة البوليساريو، التي تتمسك بمبدأ تقرير المصير وترفض اعتبار الوضع النهائي للإقليم محسوما قبل بدء المفاوضات.
وساطة سياسية بلا “عيون” ميدانية
يفترض المسار الثاني استمرار جهود الأمم المتحدة عبر مبعوثها الشخصي، ولكن في غياب الآلية العسكرية. وقد أكد الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، التزام المنظمة بمواصلة دعم الحوار.
من شأن هذا الخيار أن يمنح “دي ميستورا” دورا مركزيا في الدبلوماسية المباشرة والمشاورات الثنائية. لكنه يصطدم بتحديات عملية دقيقة؛ فانسحاب المينورسو يفقد الأمم المتحدة أدواتها في مراقبة الوضع الميداني وتوثيق الحوادث الأمنية.
وفي ظل التوترات المستمرة منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، تبرز مخاوف جدية من اتساع رقعة عدم اليقين الأمني في غياب آليات التحقق المباشر.
عودة مؤسسية بصيغة أممية معدلة
ولا يستبعد، وفق السيناريو الثالث، عودة الملف إلى مجلس الأمن لاستصدار تفويض بهيكلة جديدة.
وقد تداولت الأروقة الدبلوماسية مقترحات أمريكية لتحويل البعثة تدريجيا إلى “مهمة سياسية خاصة”، وتقليص شقها العسكري لصالح تعزيز المراقبة التقنية والفرق المتنقلة.
إلا أن ولادة أي آلية جديدة تتطلب توافقا يصعب بلوغه بين الدول دائمة العضوية. وقد كشفت جلسة 30 أكتوبر عن عمق الهوة: فبينما تسعى واشنطن لإعادة تعريف المهمة وموقع الحكم الذاتي في العملية السياسية، تفضل موسكو تمديد ولاية البعثة بصيغتها الكلاسيكية، مما يجعل العودة إلى المجلس خيارا لا يضمن تجاوز حالة الاستقطاب.
شبح الجمود والمخاطر الإقليمية
يرتبط السيناريو الرابع باستمرار التباعد بين مواقف الأطراف، دون إطار تفاوضي بديل. في هذه الحالة، يرتفع خطر تراجع التنسيق الميداني وتصاعد الأعمال العدائية؛ وهو خطر حذر منه غوتيريش صراحة، داعيا إلى أقصى درجات ضبط النفس.
ولا يقتصر تأثير هذا الجمود على الأطراف المباشرة، بل يلقي بظلاله على العلاقات المغربية-الجزائرية المقطوعة منذ 2021.
وتترافق هذه الهشاشة مع وضع إنساني معقد في مخيمات تندوف، حيث كشفت تحقيقات ميدانية حديثة لرويترز عن صعوبات متزايدة في توفير المياه والمساعدات، وسط تطلعات أجيال من اللاجئين لإنهاء عقود من الانتظار.
اختبار المرحلة المقبلة
وتكشف التطورات الراهنة أن الخلاف في مجلس الأمن يتجاوز التفويض التقني للبعثة ليصل إلى مرجعية المفاوضات.
فبينما يرى المغرب في عدم تجديد الولاية فرصة لطي الصفحة والانتقال نحو تسوية تحت سيادته، تتشبث البوليساريو والجزائر بتقرير المصير، وترفض روسيا الإملاءات المسبقة، في حين تدفع الولايات المتحدة نحو تغيير الإطار السابق.
في نهاية المطاف، لا يعني انسحاب المينورسو نهاية نزاع الصحراء، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة. سيعتمد نجاح هذه المرحلة على ثلاثة محددات: قدرة الأطراف على التوافق حول جدول أعمال تفاوضي، إمكانية تجاوز الخلافات داخل مجلس الأمن، ونجاح الدبلوماسية في الحفاظ على الاستقرار خلال فترة الانسحاب. لقد انتقل التحدي من إدارة النزاع عبر بعثة حفظ سلام، إلى التفاوض الفعلي لإنتاج تسوية سياسية قابلة للحياة.

