تثير الدينامية المتسارعة للموانئ المغربية، على الواجهتين المتوسطية والأطلسية، قلقا متزايدا في جزر الكناري، حيث تحذر أوساط بحرية من تراجع الموقع التجاري والاستراتيجي للأرخبيل أمام تحول المملكة إلى فاعل رئيسي في خطوط الملاحة الدولية.
ويأتي هذا التحول مدفوعا بالأرقام القياسية التي سجلها مركب طنجة المتوسط، واقتراب تشغيل منصات بحرية ولوجستية جديدة في الناظور والداخلة، ضمن شبكة موانئ توسع حضور المغرب في المتوسط والأطلسي والعمق الإفريقي.
وتنظر أوساط كنارية إلى هذا الصعود باعتباره ضغطا مباشرا على موانئ إسبانية تقليدية، بينها الجزيرة الخضراء ولاس بالماس وسانتا كروز دي تينيريفي، في وقت تراكم فيه الموانئ المغربية مؤشرات نمو قوية في الحاويات والبضائع والمسافرين والنقل الدولي.
طنجة المتوسط.. لغة الأرقام
تؤكد المعطيات الرسمية لمركب طنجة المتوسط حجم الضغط التجاري الذي باتت تمارسه الموانئ المغربية على نظيراتها في الضفة الشمالية.
فقد سجل الميناء، خلال سنة 2025، معالجة 11 مليونا و106 آلاف و164 حاوية نمطية، بزيادة بلغت 8,4 في المائة مقارنة بسنة 2024.
ولم تقتصر الزيادة على الحاويات، بل شملت الحجم الإجمالي للبضائع، الذي بلغ 161 مليون طن، مسجلا ارتفاعا بنسبة 13,3 في المائة.
كما وثق الميناء عبور 535 ألفا و203 شاحنات للنقل الدولي، بزيادة 3,6 في المائة، إلى جانب 3 ملايين و220 ألفا و422 مسافرا، و895 ألفا و341 عربة.
وتضع هذه الأرقام طنجة المتوسط في قلب المنافسة البحرية بالمنطقة، ليس فقط كميناء للحاويات، بل كمنصة متعددة الوظائف تربط بين التجارة الدولية، والنقل الطرقي، والصناعة، وحركة المسافرين.
قلق كناري من “تآكل استراتيجي”
في الجانب الإسباني، حذر موقع “كاناري ماريتايم” المتخصص في قضايا النقل البحري من تعرض جزر الكناري لما وصفه بـ“تآكل استراتيجي”، قد يفقد الأرخبيل جزءا من موقعه كمنصة لوجستية وعسكرية في وسط المحيط الأطلسي.
وربط الموقع هذا التراجع بتحولات في السياسة الخارجية لمدريد، مشيرا إلى أن التوترات المرتبطة بمنع رسو سفن متجهة إلى إسرائيل، والقيود على استخدام قاعدة روتا، أعادت إلى الواجهة نقاشا حول مستقبل الحضور الأمريكي في قاعدتي روتا ومورون.
واعتبرت القراءة الكنارية أن أي تقليص لهذا الحضور سيضعف الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، ويقلص دور جزر الكناري في معادلة الردع، في ظل ما وصفه الموقع بـ“الهيمنة المغربية المتنامية” بحريا.
ويضيف المصدر نفسه أن هشاشة الأرخبيل لا ترتبط فقط بالتحولات الدبلوماسية، بل أيضا بعوامل داخلية إسبانية، تشمل ضعف الاستثمار في مرفأ لاس بالماس، وتراجع الأسطول التجاري وقطاع الصيد البحري المرتبط بالكناري، وارتفاع تكاليف التشغيل تحت العلم الإسباني.
الناظور والداخلة يوسعان الخريطة
ولا تتوقف خطط التوسع المينائي المغربي عند مضيق جبل طارق.
فقد أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، في تصريح لوكالة “رويترز”، أن ميناء الناظور غرب المتوسط، الموجود قيد الإنجاز، سيدخل حيز الخدمة في النصف الثاني من سنة 2026.
وسيوفر هذا الميناء منطقة صناعية تمتد، في مرحلتها الأولى، على 800 هكتار، مع إمكانية توسيعها إلى خمسة آلاف هكتار.
كما سيضم تجهيزات مخصصة للغاز الطبيعي المسال، وربطا طاقيا مع الأحواض الصناعية في شمال غرب المملكة.
وعلى الواجهة الأطلسية، يتواصل العمل في ميناء الداخلة الأطلسي، المرتقب أن يكون جاهزا سنة 2028.
وسيتميز الميناء بعمق يصل إلى 23 مترا، ما يتيح له استقبال أنشطة بحرية وصناعية كبرى، وخدمة الربط التجاري مع العمق الإفريقي.
المبادرة الأطلسية والعمق الإفريقي
وتتجاوز هذه البنيات التحتية البعد التجاري المباشر، إذ تندرج ضمن توجه مغربي أوسع لتعزيز الربط مع غرب إفريقيا ودول الساحل.
وتشير القراءة الكنارية إلى المبادرة الملكية الأطلسية كعامل محدد في هذا التحول، بالنظر إلى سعي الرباط إلى تمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات والموانئ المغربية.
وبين طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، تتحول الموانئ المغربية إلى نقاط ارتكاز في شبكة بحرية جديدة. وهو تحول بات يقرأ في جزر الكناري باعتباره منافسة مباشرة للممرات الإسبانية التقليدية، وضغطا متزايدا على موقع الأرخبيل في خطوط الربط بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي.


