تكرّس الجزائر مرة أخرى سياسة الانعزال الدبلوماسي والمزايدة السياسية من خلال قرار الرئيس عبد المجيد تبون عدم حضور القمة العربية الطارئة التي ستنعقد في القاهرة لبحث التطورات الخطيرة التي تهدد مستقبل القضية الفلسطينية.
وتثير هذه الخطوة، التي وُضعت في سياق ما أسمته وكالة الأنباء الجزائرية “استئثار دول دون أخرى بإعداد مخرجات الاجتماع”، تساؤلات جدية حول مدى جدية النظام الجزائري في دعمه الفعلي للقضية الفلسطينية، بعيدًا عن الشعارات والمواقف الخطابية.
ودأبت الجزائر على تكرار خطابها بشأن ضرورة توحيد الصف العربي لمواجهة التحديات التي تواجه فلسطين، غير أن قراراتها الدبلوماسية غالبًا ما تتناقض مع هذا الطرح.
ففي الوقت الذي تُجمع فيه الدول العربية على ضرورة موقف موحّد تجاه التهديدات التي تواجه الفلسطينيين، يقرر تبون، كما جرت العادة، الغياب عن القمة، مفضّلًا إرسال وزير الخارجية أحمد عطاف لتمثيله.
وليس هذا السلوك جديدا، إذ غاب تبون عن القمة العربية الإسلامية غير العادية بالرياض، كما رفض حضور قمة جدة في 2023، مبررا قراره حينها بأسباب تبدو أقرب إلى تصفية حسابات سياسية منها إلى مواقف مبدئية.
تبريرات الجزائر حول ما وصفته بـ”الاختلالات والنقائص” في التحضير للقمة تبدو واهية في ظل الأوضاع المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية. فبدلًا من محاولة فرض رؤيتها من داخل القمة والعمل على تعزيز موقف موحد، فضّلت الجزائر مرة أخرى اتخاذ موقف المراقب الناقد من الخارج، مستمرة في خطاب المظلومية والإقصاء، وهو ما يعكس ازدواجية مواقف النظام الجزائري بين الخطاب والممارسة.
واللافت أن النظام الجزائري يصرّ على تقديم نفسه كمدافع شرس عن القضية الفلسطينية، لكنه يتفادى الانخراط العملي في القرارات المصيرية، وكأن مسؤولية الدفاع عن فلسطين تقع على عاتق دول أخرى.
في المقابل، يتقن الإعلام الجزائري الرسمي تسويق صورة مشوهة عن القمم العربية حين تغيب الجزائر، في محاولة لصرف الأنظار عن العزلة الدبلوماسية التي تجد نفسها فيها بسبب نهجها المتناقض.
وما يزيد من غرابة الموقف الجزائري أن القمة الطارئة في القاهرة تأتي في سياق بالغ الحساسية، حيث تواجه غزة خطر التهجير القسري، وتهدد إسرائيل بإنهاء الهدنة والعودة إلى القتال، وسط تحركات دبلوماسية حثيثة لاحتواء الأزمة. ومع ذلك، يقرر تبون التغيب، مما يُضعف مصداقية الخطاب الجزائري الذي يرفع شعار الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وعلى مدار السنوات الماضية، كرّس النظام الجزائري سياسة التناقضات والمزايدات الإعلامية، معتمدًا على مبدأ النأي بالنفس في اللحظات الحاسمة، ليعود لاحقًا ويوجه الانتقادات للقوى الفاعلة التي تتصدر المشهد.
وبينما تسعى الدول العربية لإيجاد موقف مشترك لمواجهة التحديات الإقليمية، تواصل الجزائر سياسة المناورة، ما يجعلها تدريجيًا على هامش المشهد الدبلوماسي العربي، دون تأثير حقيقي في مسار القرارات الحاسمة.


