لم يكن المغرب يوماً دولة عادية. هذه ليست نبرة تعال، بل اعتراف دفين يسكن في وجدان شعوب كثيرة، حتى حين تُنكره.
المغرب مملكة شريفة، هكذا وُصف منذ قرون، لا لأن أحداً منحها هذا اللقب، بل لأنها تَشربت الشرف في الجغرافيا والتاريخ والدم والدين. وحين يُذكر الشرف، يُفترض أن يُذكر معه الحذر، لأن المسَّ بالأرض الشريفة، لا يمرّ دون كلفة.
في التمثلات الشعبية التي لم تُنسَ رغم ضجيج الحداثة، المغرب بلدٌ لا يُؤذى. من يمسه بسوء، تنقلب عليه دنياه، حتى لو طال الزمن. والناس في الأسواق، في القرى، على المقاهي، يتهامسون بجملة عتيقة لا تموت: “اللي أذاها، تخرج فيه الذنوب.”
هذا الاعتقاد لم يأتِ من فراغ. فالمغرب، على مدار تاريخه، لم يكن البادئ في الخصومة، لكنه كان دائماً سيد الخواتم.
فحين ظنّ العثمانيون أنهم سيبتلعون شمال إفريقيا من بوابة الشرق، اصطدموا بالمغرب فكسرتهم تطوان، وأسقطت هيبتهم فاس، وعجزت جيوشهم الجرارة عن اقتحام المملكة الشريفة، التي كانت تُدافع عن استقلالها كما تُدافع الروح عن الجسد.
وقبلهم، حين ظن البرتغاليون أن المغرب أرض سائبة، جاءت ملحمة وادي المخازن لتُذّكرهم بأن الأرض التي دُفنت فيها جثّة ملكهم سباستيان، لا يمكن أن تُهان دون أن تبتلع من أهانها. معركة لم تُخلّدها كتب التاريخ وحدها، بل خلدها الوجدان المغربي كرمز لانتصار الشرف على الغطرسة، والإيمان على الاحتلال.
وتمرّ القرون، وتُعيد الجغرافيا كتابة القصيدة القديمة: المغرب لا يُؤذى ويُترك وشأنه. نظام القذافي في ليبيا، الذي لم يملّ من التآمر والمناورة، انتهى جثة بلا ملامح. نظام بشار الأسد، الذي شارك في طعن المملكة في لحظة غدر، وجد نفسه خارج السياق، فاراً من كل شيء، حتى من صورته القديمة.
لم يكن المغرب طرفا في هذه النهايات، لكنه كان شاهدا. كان يراقب بصمت ذلك المصير الذي لا يرحم من اختاروا عناد الواقع، ومعاكسة منطق الدولة الهادئة، التي تدير توازناتها بصبر الجبال لا بهستيريا الثورات.
اليوم، ما تبقّى إلا جار واحد، نظام ما زال يعتقد أن التاريخ لعبة يمكن قلبها بالشعارات، وأن الجغرافيا تُلغى ببيانات رسمية. نظام لا يملك غير العداء في خطابه، والكراهية في مناهجه، والارتباك في قراراته. يحكم شعباً تربطه بنا المصاهرة والدم والتاريخ، لكنه يتنكر لكل ذلك بإصرار غريب، كأنما يبحث عن حتفه في عناده.
لكن المغرب ليس دولة شعارات، بل مدرسة في الواقعية السياسية. لا يُقامر بمصير شعبه، لا يطعن جيرانه من الخلف، ولا ينام على وهم القوة المؤقتة. المغرب لا ينتشي بالعداء، بل يعرف ثمن السلام. ولهذا، حين يُضطر للمواجهة، يفعلها برجولة الأنظمة العريقة، لا بنَفَس المرتبكين.
التحذير هنا لا يُوجه من موقع الغطرسة، بل من موقع التجربة. لأن هذه الأرض، حين تُؤذى، لا تصرخ… لكنها تحفر في الزمن. وتنتقم بهدوء، كما فعلت دائما.
وما على الذين يلعبون بالنار على حدود المملكة الشريفة، سوى أن يسألوا التاريخ: من تجرأ عليها، أين هو اليوم؟


