لم تمرّ دعوة الملك محمد السادس إلى المغاربة للامتناع عن ذبح الأضاحي في عيد الأضحى المقبل دون أثر خارج السياق الوطني المغربي.
فقد وجدت هذه الدعوة، التي برّرها القصر الملكي بارتفاع أسعار الماشية وتضرر القدرة الشرائية للأسر المغربية، صدى لافتا في مدينتي سبتة ومليلية، حيث يشكل المواطنون المسلمون من أصول مغربية نسبة كبيرة من الساكنة، ويتجلى حضور الارتباط الروحي والثقافي مع المغرب بشكل واضح في مختلف المناسبات الدينية.
في تقرير مطوّل نشرته صحيفة El Confidencial الإسبانية تمت الإشارة إلى أن عددا من الأصوات المحسوبة على النسيج الجمعوي المحلي في المدينتين المحتلتين دعت إلى الاستجابة للتوصية الملكية، معتبرة أن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة اقتصادية ظرفية، بل بموقف أخلاقي وروحي يُعبر عن التضامن مع الأسر المغربية التي قد تجد صعوبة في اقتناء الأضاحي هذا العام.
وتضيف الصحيفة أن هذه الدعوة أفرزت نقاشا أوسع حول المرجعية الدينية التي يتبعها المسلمون في سبتة ومليلية، إذ اعتاد جزء كبير منهم على التفاعل مع إعلان وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية بخصوص رؤية الهلال، سواء تعلق الأمر بعيد الفطر أو عيد الأضحى، وهو ما يطرح، حسب مراقبين، سؤالا مستمراً حول طبيعة الهوية الدينية والثقافية لسكان المدينتين، ومدى انتمائهم الرمزي إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.
وقال عبدالكاميل محمد، رئيس جمعية سكان حي الأمير ألفونسو في سبتة، في مقال رأي نُشر بالصحافة المحلية إن “المدينة تعيش حالة من الانقسام الصامت بين مرجعيتين دينيتين، واحدة ترتبط بالدولة الإسبانية، وأخرى تنبع من الوجدان الجماعي للمسلمين الذين ظلوا عبر أجيال يرتبطون روحياً بالمغرب”.
وأضاف، وفقا للصحيفة الاسبانية: “ربما آن الأوان لفتح نقاش صريح حول من يحدد شعائرنا، ومن نختار أن نصغي إليه في اللحظات التي تتقاطع فيها العقيدة بالانتماء”.
وفي مليلية، عبّرت جمعية “المجتمع الإسلامي” عن تأييدها للتوجه التضامني، مؤكدة في بيان مقتضب أن “الرسائل الأخلاقية التي تضمّنتها الدعوة الملكية تجد صداها الطبيعي لدى كثير من المسلمين في المدينة، الذين لا يرون في الأمر تدخلا، بل امتدادا لعلاقة وجدانية وتاريخية لا يمكن إنكارها”.
ويُشار إلى أن السلطات الإسبانية في سبتة ومليلية، وفي احترام للخصوصية الدينية، تستعد لتوفير مذابح متنقلة ومساحات مخصصة لذبح الأضاحي وفق الضوابط الإسلامية، إلا أن متابعين يرجحون أن تكون نسبة الإقبال هذا العام أقل من المعتاد، بالنظر إلى تأثير الخطاب الديني القادم من الرباط.
وتنقل الصحيفة الإسبانية عن مصادر مغربية قولها إن التفاعل مع الدعوة الملكية يعكس ما وصفته بـ”الازدواج الهوياتي” الذي يطبع حياة جزء من ساكنة المدينتين، حيث لا تزال رمزية المؤسسة الملكية المغربية حاضرة بقوة في الوعي الجمعي، لاسيما في المحطات الدينية الكبرى.
ومن جانبها، لم تُدلِ المفوضية الإسلامية في إسبانيا، وهي الهيئة الرسمية الممثلة للمسلمين في البلاد، بأي موقف واضح بشأن مدى الالتزام بتوصية الرباط، مكتفية بالقول إن إعلان موعد العيد سيتم وفقا للرؤية الشرعية المرتبطة بمكة المكرمة، وهو ما يعكس التباين المستمر في المرجعيات.
ويُنظر إلى هذه المسألة من قِبل محللين باعتبارها دليلا إضافياً على استمرارية حضور المغرب كمرجعية دينية وثقافية مؤثرة داخل سبتة ومليلية، حيث تلتقي العقيدة بالعاطفة، وتتحول المناسبات الدينية إلى لحظات مكثفة لإبراز ارتباطٍ يتجاوز الجغرافيا والإدارة، ليرسّخ نوعاً من الانتماء الرمزي العابر لكل ما هو مؤسساتي.
وفي انتظار حلول السادس من يونيو، تاريخ عيد الأضحى لهذا العام، يظل التساؤل مطروحا في سبتة ومليلية: هل ستبقى هذه المدن مجرّد نقاط جغرافية على الخارطة الإسبانية، أم أنها ستستمر في التعبير عن علاقتها الخاصة بمحيطها المغربي، كلما نادى صوت الدين أو نبض الهوية؟

