في مشهد غير مألوف، تلتقي كفاءة مغتربة مع أزمةٍ أخلاقية داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، فينقلب صمت المنصات إلى حذف، ويقظة فردية إلى سؤال عربي مؤجل: هل يمكن لقضية مثل قضية المهندسة المغربية ابتهال أبو السعد أن تُحفّز العالم العربي على استعادة كفاءاته التي أُقصيت أو كُبِتت في الغرب؟
وأثارت ابتهال، الشابة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، خريجة جامعة هارفارد والعاملة منذ أكثر من ثلاث سنوات في شركة مايكروسوفت، ضجة محدودة لكنها عميقة، بعد أن قاطعت كلمة مسؤول كبير في الشركة، منتقدة ما اعتبرته تورطا مباشرا في دعم الجيش الإسرائيلي بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن المفارقة لم تكن فقط في جرأة الموقف، بل في سرعة الرد غير المعلن: حذف حسابها من منصة LinkedIn المملوكة لنفس الشركة الأمريكية.
غير أنه بينما خفُت حضورها رقميا، ارتفع صداها عربياً. فقد أعلن فاعل اقتصادي كويتي، وهو رجل الاعمال الشهير عبد الله الدبوس، استعداده لتوظيفها، معبّرا عن تقديره لكفاءتها وشجاعتها، ومؤكدا أن غيابها عن المنصة لا يقلل من حضورها في الوعي العام.

وفتحت المبادرة الفردية، التي لقيت ترحيبا واسعا على شبكات التواصل، الباب أمام نقاش أوسع: هل نحن أمام وعي عربي جديد بأهمية استرجاع العقول المغتربة، خصوصاً حين تُقصى لأنها عبّرت؟
وفي نظر كثيرين، لا تزال هذه المبادرة تندرج ضمن ردود الفعل المعزولة، وإن كانت تحمل بعدا رمزيا قويا. فالعالم العربي، رغم امتلاكه لرأسمال بشري مؤهل وموارد اقتصادية معتبرة، لم يطوّر إلى الآن سياسة واضحة المعالم لاحتضان الكفاءات التي تغادره، أو تلك التي يلفظها الغرب لأسباب سياسية أو أخلاقية.
غير ان الحدث، في عمقه، لا يتعلق فقط بمهندسة مغربية شابة، بل بنموذج واسع الانتشار لكفاءات عربية تعمل في بيئات متقدمة لكنها مشروطة بالصمت.
وما إن تتقاطع الكفاءة مع الموقف، حتى تُصبح عبئا محتملا على المؤسسات، وتُعرض لأشكال غير مرئية من التهميش أو الإقصاء.
ومع أن المبادرة الخليجية الأخيرة تفتح باب الأمل، إلا أن الخبراء يُجمعون على أن استعادة الكفاءات لا تتم بعروض فردية ظرفية، بل ببناء بيئات مؤسسية عربية تُتيح العمل الحر، وتحترم التفكير النقدي، وتوفر بديلا مهنيا مقنعا.
ويُشير مراقبون إلى أن الكفاءات العربية العاملة في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي في الغرب تُقدّر بعشرات الآلاف، كثير منها مستعد للعودة أو على الأقل للارتباط بمشاريع داخل المنطقة، إذا توفرت الشروط المناسبة. غير أن الخوف من التضييق، وغياب الحماية المهنية، وسوء الإدارة، تبقى من بين أهم العوامل التي تُفرمل هذا الخيار.
فقضية ابتهال أبو السعد ليست الأولى، لكنها لفتت الانتباه في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الجدل الأخلاقي حول المجازر الوحشية في قطاع غزة المحاصر.
ولذلك، فهي تكشف ليس فقط هشاشة حياد الشركات الكبرى، بل أيضا غياب استعداد عربي ممنهج لاحتضان من يتم إسكاتهم هناك.
وجاءت المبادرة الفردية لتقول شيئا مختلفا: أن الكفاءة لا تُقاس فقط بالشهادات، بل أيضاً بالقدرة على قول “لا”. غير أن ترجمة هذه اللحظة إلى مسار فعلي لاستعادة العقول تحتاج إلى أكثر من تضامن موسمي، وأبعد من حس المبادرة الشخصية.
فهل تُصبح قضية ابتهال شرارة لإعادة بناء علاقة جديدة بين العالم العربي وكفاءاته المغتربة؟ أم أنها ستبقى مجرد قصة ملهمة في موجة رقمية عابرة؟ الجواب، ككل الأسئلة الكبرى، لا يزال معلقا.


