لم يعد حضور سوريا في قمم عربية مفاجئا، لكن اجتماع رئيسها إلى جانب ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي في الرياض، وبمشاركة رمزية من تركيا، شكّل لحظة مفصلية تعيد صياغة المشهد الإقليمي تحت عناوين جديدة، أبرزها تقاطع المصالح، وتراجع منطق العزل العقابي.
وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، استقبلت الرياض ثلاث محطات دبلوماسية متلاحقة: توقيع وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة، انعقاد قمة خليجية امريكية، ثم قمة ثلاثية سعودية سورية امريكية، خرجت بتصريح رسمي عن رفع العقوبات على سوريا، وسط اجماع على ضرورة استقرارها ووحدة ترابها.
ولم يكن التحول في مضمون اللقاءات فحسب، بل في طريقة توزيع الأدوار داخلها.
فالولايات المتحدة، ممثلة بالرئيس دونالد ترامب، بدت أقرب الى من يمنح ضوءا أخضر، ويغادر بهدوء، فيما تقود الرياض مرحلة تلي إعادة الاصطفاف، تحت سقف الانفتاح المنضبط على الخصوم، وحشد الشركاء في آن واحد.
رفع العقوبات نقطة تحول
وأهم ما خرجت به القمة الثلاثية، لم يكن مجرد الصورة التي جمعت اطرافا كانت متخاصمة، بل القرار الذي أعلنه ترامب، والقاضي بإزالة العقوبات المفروضة على سوريا. قرار غير مسبوق منذ أزيد من عقد، أعاد دمشق من منطقة العزلة الى طاولة التفاوض، وفق شروط جديدة.
وعبر الرئيس السوري احمد الشرع، صراحة عن شكره لهذا القرار، معتبرا انه سيفتح صفحة جديدة لإعادة البناء، وانعاش الاقتصاد، والمساهمة في الاستقرار.
كما أشاد بالدعم الذي قدمته السعودية وتركيا، في إشارة الى تفاهمات بدأت تنضج خارج إطار الجامعة العربية، وتنتقل الآن إلى مربع أكثر تأثيرا على المستوى الدولي.
بالمقابل، لم يصدر عن الإدارة الأمريكية أي تصريح بشأن شروط القرار، ما جعل المراقبين يضعونه في سياق أوسع، قد يكون مرتبطا بمقايضات تتعلق بالملف النووي الايراني، او بمصالح واشنطن في تقليص النفوذ الروسي عبر فتح قنوات موازية مع دمشق، بواسطة الرياض وانقرة.
اقتصاد يقود التحولات السياسية
وعلى هامش القمم، وقعت السعودية والولايات المتحدة وثيقة شراكة استراتيجية شملت مجالات حيوية مثل الدفاع، الطاقة، الفضاء، البيئة، الثقافة، والصحة.
وتم هذا التوقيع بحضور ولي العهد السعودي والرئيس الامريكي، في رسالة واضحة على متانة العلاقة بين البلدين، رغم التحولات التي فرضتها السنوات الاخيرة.
وقال محمد بن سلمان ان هذه الوثيقة “تترجم حرصنا على تعزيز العلاقات وتوسيع الشراكات بما يلبي تطلعات شعوبنا.”.
وأضاف بن سلمان ان الولايات المتحدة تظل شريكا تجاريا واستثماريا رئيسيا، مذكّرا بان حجم التبادل بين الطرفين بلغ 120 مليار دولار سنة 2024.
لكن الرسالة الأهم لم تكن داخل مضمون الاتفاق، بل في توقيته. فبالتزامن مع إعادة إدماج سوريا، وفي ظل تقارب تركي سعودي متصاعد، اختارت واشنطن أن تمنح للرياض هامشا أوسع في إدارة الملفات الإقليمية، مقابل تثبيت المصالح الاستراتيجية عبر بوابة الاقتصاد.
وتعكس هذه المعادلة، التي تمزج بين التوقيعات والتسويات، انتقالا تدريجيا من منطق المحاور الى منطق المنصات.
فالسعودية لم تعد حليفا يتلقى التعليمات، بل فاعلا يصوغ التوازنات، ويتقاطع مع واشنطن متى اقتضت المصالح، وينفتح على بكين وموسكو متى اقتضت المرحلة.
وفي الوقت الذي يظل فيه المشهد السوري معقدا، يبدو ان القمة الاخيرة وضعت حدا لمسار العزل الكامل، وفتحت المجال امام مقاربات اكثر براغماتية، حيث لا مكان للخطوط الحمراء، بل فقط للمصالح الممكنة.

