لا احد يختار شقيقه، لكننا ولدنا الى جوار الجزائر، كما يولد الجبل الى جانب الوادي. لا فرق بيننا النسب، ولا اللغة، ولا طعم الخبز في الفجر. ومع ذلك، لا تزال الحدود مغلقة، والأصوات مشوشة، والكراهية تصنع على المقاس، في استوديوهات الغضب.
منذ سنوات، والملك محمد السادس يجدد الدعوة للمصالحة، لا بضعف، بل بقوة العارف بمكانه وبحقه. يقولها في كل عيد عرش، بلا حرج ولا شروط. يمد اليد لمن سكن القطيعة، ويذكر الجميع ان الجوار قدر، وان الانفصال وهم، وأن المستقبل لا يبنى على النفي.
لكن في كل مرة، تقابل الدعوة بصمت رسمي، او بهجوم اعصاب يائس، كان المصالحة عار، وكان عودة الأمور إلى نصابها تهدد كيانا هشا لا يجد لنفسه مشروعية الا في افتعال العداء.
والحقيقة ان الجزائر الرسمية لم تخض فقط معركة وهمية ضد وحدة المغرب، بل حرمت شعبها، دون أن يشعر، من مكاسب استراتيجية كان يمكن ان يحققها من منطق الجوار، ومن فوائد الموقع بدل لعنة التقوقع.
لقد جعلت من حدودها الغربية جدارا خرسانيا لا يعبره دفء، ولا مصلحة، ولا حتى رجع الندم.
إن تثبيت سيادة المغرب على صحرائه — وهي سيادة تمارس ميدانيا وتتعزز سياسيا — لا يعني فقط انهاء نزاع اقليمي منهك، بل فتح بوابة امام مستقبل مغاربي جديد، يستعاد فيه المعنى المشرق للكتلة الجغرافية، وتعاد فيه صياغة التوازنات بعيدا عن منطق الانكار.
المغرب لا يرى في الشعب الجزائري خصما، بل شقيقا اختطف منه القرار السيادي في لحظة قسر تاريخي. وفي قلب المشروع المغربي، لم تبن الصحراء فقط كمجال مادي، بل كجسر رمزي يمكن ان يربط المغرب بعمقه الافريقي، ويعيد وصل الشمال بالجنوب في معادلة متوازنة لا تقصي احدا.
حين تتوقف الجزائر عن استنزاف ذاتها في دعم كيان لا يملك شروط الدولة، ولا مقومات الشعب، يمكن ان تعاد برمجة المصالح بما يخدم الطرفين: انابيب تمتد، تجارة تتدفق، خطوط لوجستية تعبر من ميناء الداخلة نحو غرب القارة، واسواق جديدة تفتح امام المنتجات الجزائرية بفضل الوساطة المغربية.
ليست هذه أوهاما. انها احتمالات اقتصادية موثقة في تقارير اممية، وكلها تذهب الى ان التكامل المغاربي المجمد هو واحد من اغلى الفواتير التي يدفعها المواطن المغاربي، وفي مقدمتهم المواطن الجزائري.
ثم، ماذا عن البعد الانساني؟
ماذا عن آلاف العائلات الموزعة على جانبي السلك الحديدي؟
ماذا عن الأطفال الذين لم يروا ابناء عمومتهم منذ ولادتهم لان النظام قرر ان المصالحة تضعف موقف التفاوض؟
أي منطق هذا الذي يعلق العلاقات العائلية على مشجب وهم اسمه تقرير المصير؟
داخليا، سيكون انتهاء النزاع حبل نجاة للنقاش الجزائري المحتضر. سيتحرر من الابتزاز العاطفي باسم الصحراء، وسينتقل الى قضايا الحوكمة، والتشغيل، والعدالة. ولن يعود اي نظام قادرا على استخدام شماعة “العدو المغربي” كلما اهتز الشارع او سئل عن الحساب.
اما المغرب، فهو ماض في ترسيخ وحدته الترابية كأمر محسوم، ليس في نظره فقط، بل في منطق الدول التي تراهن على الاستقرار لا على المشاريع الانفصالية العقيمة. لا ينتظر مباركة احد، لكنه في الان نفسه لا يعادي احدا، طالما ان السيادة الوطنية ليست موضوع تفاوض.
المصالحة الحقيقية لا تبدأ من العواطف، بل من الاعتراف المتبادل بالواقع، ومن تقاطع المصالح لا اصطناع العداوات. وحين يدرك النظام الجزائري ان ربط مستقبل شعبه بمصير كيان معزول لم يجلب سوى العزلة، قد يجد ان المغرب لم يغلق الباب، بل تركه مواربا، بوعي لا يغفل ولا ينسى.
في النهاية، من يخسر من تثبيت المغرب لسيادته على صحرائه؟
الذي يستثمر في الاوهام، ام الذي ينتظر الفرص؟
الذي يصدر الخلاف، ام الذي يعرض التكامل؟
التاريخ سيجيب، والواقع الميداني سبقه بالاشارة.


