ليس جديدا ان تتحرك بعض المنابر الاعلامية بين الحين والآخر لاستهداف المغرب ومحاولة النيل من مؤسساته ورموزه الوطنية.
فمنذ سنوات، اعتادت بعض الأقلام المتعالية انتاج سرديات جاهزة تضع البلاد في قوالب مشوهة، متجاهلة عمدا التحولات العميقة التي يعرفها المغرب على كل المستويات.
لكن ما يجب ان تدركه هذه الأصوات هو ان محاولاتها المتكررة فقدت تأثيرها، لانها تصطدم دائما بواقع صلب، يتمثل في دولة راسخة بمؤسساتها، وملكية قوية، وشعب واع يعرف جيدا كيف يدير اختلافاته ويحدد خياراته، دون حاجة لاي وصاية خارجية او خطاب استعلائي يزعم امتلاك الحقيقة.
ما يجري ليس مجرد نقد إعلامي مشروع ولا اجتهاد مهني نزيه، بل هو محاولة موجهة لتقويض الثقة في المؤسسة الملكية باعتبارها الركيزة المركزية لاستقرار المغرب ووحدته الوطنية. فهذه المؤسسة ليست موضوعا للمزايدات ولا مادة للتجارب الاعلامية، بل هي عماد الدولة وضمانة استمرارها في مواجهة كل التحولات الاقليمية والدولية.
ولقد اثبت التاريخ مرارا ان العلاقة بين العرش والشعب تشكل صمام الأمان في اصعب اللحظات، وان المس بهذه المعادلة ليس سوى رهان خاسر قبل ان يبدأ.
آليات هذه الحملات مكشوفة مهما حاولت التخفي وراء لغة التحليل او الادعاء بالموضوعية. تبدأ بانتقاء صور معزولة ومقاطع مبتورة، ثم تضخيمها خارج سياقها لصناعة خطاب مثير يوحي بوجود ازمات داخلية او انهيار مؤسسات الدولة. يتم تجاهل المعطيات الحقيقية بشكل ممنهج، لصالح عناوين استفزازية تستهدف اثارة الشكوك وزرع الانقسام.
لكن هذه الأساليب سقطت في اختبار الوعي الشعبي، لان المواطن المغربي اليوم اكثر اطلاعا على طبيعة هذه المناورات واهدافها الخفية، ويدرك جيدا انها لا علاقة لها بالمصلحة العامة بقدر ما ترتبط باجندات معروفة تريد ابقاء المغرب رهينة لصورة نمطية متجاوزة.
ان المغاربة واعون تماما بما يواجههم من تحديات داخلية وخارجية، ويدركون حجم تعقيدات المرحلة وسياقاتها الاقليمية والدولية. وهم يعرفون كيف يديرون اختلافاتهم داخل البيت الوطني وفق آليات دستورية ومؤسساتية راسخة، دون الحاجة الى دروس من احد او وصاية من جهة ترى نفسها مخولة لتقرير مصير بلد مستقل في قراراته وسيادته.
والمغرب، الذي راكم تجربة سياسية واقتصادية عميقة، اثبت انه قادر على التكيف مع التحولات الكبرى وصناعة توازنه الداخلي بنفسه، بعيدا عن اي تدخلات او محاولات املاء خارجية.
الرد المغربي على هذه الحملات لا يكون بالشعارات ولا بردود فعل انفعالية، بل بالانجازات الواقعية التي لا يمكن انكارها. من ميناء طنجة المتوسط الى مشاريع الطاقات المتجددة، ومن المناطق الصناعية الكبرى الى البنية التحتية الحديثة، يثبت المغرب كل يوم قدرته على تحقيق قفزات نوعية تضعه في قلب المعادلات الاقليمية والدولية. هذه الحقائق التي يشهد بها الداخل والخارج تسقط بالضرورة الخطاب الذي يحاول تسويق صورة الازمات المفتعلة والفوضى المزعومة.
وما لا تدركه هذه المنابر ان حملاتها لا تصنع سوى مزيد من التلاحم بين الدولة والمجتمع، لان المغاربة يدركون ان المس بمؤسساتهم ورموزهم هو استهداف مباشر لوحدتهم واستقرارهم.
فكلما ارتفعت نبرة التشويش، زادت الثقة المتبادلة بين الشعب ومؤسساته، وتعززت القناعة الجماعية بان حماية المكتسبات الوطنية تمر عبر التمسك بالثوابت الجامعة والانخراط الواعي في مسار التنمية والبناء.
المغرب اليوم ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا مادة سهلة للتلاعب الاعلامي. هو بلد يعرف قيمته وموقعه الاستراتيجي، ويفرض احترامه بما ينجزه على الارض لا بما يكتبه الآخرون عنه. وكل خطاب يحاول تقزيم هذا الواقع او التشكيك في رموزه سيبقى ضجيجا عابرا لا يترك اثرا، لان الدولة المغربية اقوى من ان تهزها عناوين مصطنعة او تقارير مسيسة.
وفي المحصلة، تبقى الحقيقة ثابتة: المغرب اكبر من السرديات المفبركة، واعمق من محاولات التشويه، واقوى من ان تهزه حملات التشويش مهما تكررت.
دولة ترفض الوصاية، وشعب واع يعرف كيف يدير اختلافاته، ومؤسسات صلبة تحمي استقرارها وتفرض احترام سيادتها. وهذه المعادلة التي صنعت صمود المغرب عبر التاريخ ستبقى حجر الزاوية في مواجهة كل من يحاول العبث بصورته او التشكيك في ثوابته الوطنية.


