أعلنت تركيا، الجمعة، عن قرارها قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية بشكل كامل مع إسرائيل، في خطوة جديدة تؤشر على تصعيد الموقف التركي تجاه الحرب الدائرة في غزة وتداعياتها الإقليمية، مرفقة ذلك بإغلاق أجوائها أمام الطائرات الإسرائيلية.
وجاء الإعلان على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان، الذي أكد أن أنقرة “أوقفت جميع أشكال التعامل التجاري والاقتصادي مع إسرائيل”، مضيفاً أن القرار يشمل كذلك منع مرور الشحنات من الموانئ التركية باتجاه المرافئ الإسرائيلية. وأفادت مصادر ملاحية بأن وكلاء الشحن باتوا مطالبين بتقديم وثائق تثبت أن الصادرات لا تخص إسرائيل أو لا تتضمن مواد ذات طابع عسكري.
تأتي الخطوة التركية بعد سلسلة من الإجراءات التصاعدية بدأت في مايو 2024 حين أوقفت أنقرة عمليات التصدير والاستيراد مع إسرائيل، مشترطة رفع القيود عن دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وبعد أشهر من الجدل حول حجم الالتزام بهذا القرار، عاد الرئيس رجب طيب أردوغان في نوفمبر من العام نفسه ليعلن قطع العلاقات الدبلوماسية، وهي التي كانت أصلاً محدودة التمثيل منذ سنوات.
ويكتسب القرار التركي زخماً إضافياً في ظل المناخ السياسي الداخلي، حيث يحرص حزب العدالة والتنمية الحاكم على إظهار موقف حازم تجاه إسرائيل، في انسجام مع المزاج الشعبي المتضامن مع الفلسطينيين. وفي المقابل، اعتبر مراقبون أن إغلاق الأجواء التركية أمام الطيران الإسرائيلي يحمل أبعاداً استراتيجية، كونه يحدّ من حرية حركة الطيران بين إسرائيل ووجهات في آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.
وتحتل العلاقات الاقتصادية موقعاً حساساً في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين قبل الأزمة أكثر من ستة مليارات دولار سنوياً، وكان قطاعا الحديد والمواد الكيميائية في طليعة الصادرات التركية إلى إسرائيل. ومع وقف هذه المعاملات، يتوقع خبراء أن يتأثر عدد من الفاعلين الاقتصاديين الأتراك، خصوصاً في قطاعات التصدير البحري والصناعات التحويلية. غير أن الحكومة التركية تراهن على أسواق بديلة في الخليج وآسيا لتعويض الخسائر.
من جانبها، لم تُخفِ إسرائيل انزعاجها من القرار التركي، ورأت فيه محاولة لتقييدها سياسياً واقتصادياً. وأشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن شركات الطيران الإسرائيلية تواجه صعوبات إضافية في إعادة رسم مساراتها بعد إغلاق الأجواء التركية، ما ينعكس على تكاليف النقل والتجارة.
في السياق نفسه، استدعت أنقرة سفيرها من تل أبيب منتصف يوليو الماضي، على خلفية الغارات الإسرائيلية في سوريا ولبنان. وأوضح فيدان آنذاك أن تركيا “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ممارسات إسرائيل التي تهدد الاستقرار الإقليمي”، في إشارة إلى توسع العمليات العسكرية خارج غزة.
ويأتي القرار التركي في لحظة حساسة، إذ يضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية على حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه أصلاً انتقادات داخلية بشأن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية. وفي المقابل، يسعى أردوغان إلى تعزيز صورته الإقليمية كزعيم مدافع عن القضية الفلسطينية، مستنداً إلى رصيد شعبي قوي في الشارع التركي والعربي.
ومع ذلك، لا يخفي محللون أن الخطوة تحمل كلفة على الاقتصاد التركي نفسه، في وقت يحتاج فيه أردوغان إلى استقرار مالي لجذب الاستثمارات الأجنبية. لكن أنقرة تراهن على البعد الرمزي والسياسي، معتبرة أن موقفها سيعزز أوراقها الدبلوماسية في الساحة الإقليمية والدولية.
وبين الحسابات الاقتصادية والرسائل السياسية، يظل القرار التركي مؤشراً على مستوى غير مسبوق من القطيعة بين أنقرة وتل أبيب، في انتظار ما إذا كان سيُترجم لاحقاً إلى مقاطعة كاملة في مجالات أخرى، أو سيظل محصوراً في الجانب الاقتصادي.

