قالت وزارة الداخلية المغربية إن التدخلات التي نفذتها القوات العمومية في عدد من المدن مؤخرًا تمت “في احترام تام للضوابط القانونية والمهنية”، موضحة أن المنع طال تجمهرات “غير مؤطرة ومجهولة المصدر”، لم تستجب للمقتضيات القانونية المنظمة للتجمعات العمومية.
وأوضح رشيد الخلفي، الناطق الرسمي باسم الوزارة، خلال تصريح لوسائل الإعلام بالرباط، أن السلطات العمومية تصرفت ضمن ما يخوله لها الدستور والقوانين ذات الصلة، مؤكدًا أن “جوهر القرار محكوم بتحقيق التوازن بين حق المواطنين في التظاهر السلمي، كما يكفله الفصل 29 من الدستور، وحق المجتمع في الأمن والاستقرار، المنصوص عليه في الفصل 21”.
وشدد الخلفي على أن القوات العمومية اشتغلت ضمن الأطر المهنية المحددة قانونيًا، بما يشمل القوانين المنظمة للتجمهرات، ومهام حفظ النظام، والبروتوكولات الأمنية والحقوقية المعمول بها دوليًا، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية السلامة الجسدية للأشخاص والممتلكات.
وأضاف أن التدخلات الأمنية ارتكزت على ثلاثة عناصر: التدرج، حيث لم يُلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الوسائل السلمية؛ والتناسب، بحيث تم استخدام وسائل محدودة وغير مفرطة؛ والمشروعية، بما يضمن أن كل إجراء كان مبنيًا على أساس قانوني واضح.
وأشار إلى أن “الغاية الأساسية من هذه التدخلات لم تكن قمعية، بل تنظيمية، للحفاظ على النظام العام، وحماية الأرواح والممتلكات، وضمان ممارسة الحريات العامة في إطارها المشروع”.
وتأتي هذه التصريحات عقب تحركات شبابية متفرقة شهدتها مدن مغربية كبرى خلال الأسبوع الأخير من شهر شتنبر، شارك فيها مئات الشبان في مقتبل العمر، دون تأطير نقابي أو سياسي، ومن دون شعارات موحدة أو مطالب واضحة. انطلقت هذه التحركات بشكل متزامن تقريبًا في مدن مثل طنجة، فاس، وجدة، ومكناس، وغيرها، ما أثار أسئلة واسعة في الأوساط الاجتماعية والإعلامية حول خلفياتها وتوقيتها.
ينتمي المشاركون في هذه التحركات إلى ما يُعرف إعلاميًا بـ”جيل Z”، وهم الشباب الذين وُلدوا في منتصف التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، وتربّوا في ظل منصات التواصل الاجتماعي أكثر من الأحزاب أو النقابات. هذا الجيل، الذي يصعب تصنيفه في خانات الاحتجاج التقليدي، لا يُعرّف نفسه من خلال الأيديولوجيا، بل من خلال شعور يومي بالضغط النفسي والاجتماعي، وتوتر متراكم تجاه مستقبل غير مضمون.
ففي وقت لم تصدر فيه أي بيانات رسمية من الجهات المنظمة لهذه التحركات، اعتُبرت التجمعات بمثابة صرخة رمزية ضد حالة من “الإرهاق الاجتماعي” الذي لا يجد لنفسه منفذًا في المؤسسات الوسيطة. لا شعارات، لا لافتات، لا قادة ميدانيين، لكن الإيقاع كان واضحًا: حضور شبابي جماعي في الفضاء العام، بصيغة صامتة لكنها مشحونة.
وتداول نشطاء على منصات التواصل تسجيلات مصورة لتدخلات القوات العمومية، تراوحت بين تفريق التجمعات باستخدام الإنذارات القانونية، وتدخلات محدودة في بعض النقاط، لم تُسجل فيها – حتى الآن – أعمال عنف مفرطة أو أضرار واسعة. في المقابل، استمرت تعبيرات التضامن الرقمي مع هؤلاء الشباب، من خلال وسوم ومواقف فردية تعبّر عن قلق متزايد من هشاشة الأوضاع، وتطالب بقراءة أعمق لما يحدث بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية.
ويرى متابعون أن خروج هذا الجيل إلى الشارع، ولو بشكل غير منظم، يشكّل تحولًا في طبيعة التعبئة الاجتماعية بالمغرب، خاصة أنه يأتي في سياق اقتصادي دقيق، ومع الدخول الاجتماعي الجديد، وارتفاع مؤشرات البطالة بين الشباب، وتفاقم الإحساس بانسداد الأفق.
وفي غياب أي مبادرات مؤسساتية لفتح حوار مباشر مع الفئات الشابة غير المؤطرة، يطرح هذا الحراك العفوي أسئلة صعبة على الدولة والمجتمع، حول سبل إعادة بناء جسور الثقة، خارج لغة الإنذارات القانونية والبلاغات الرسمية.

