اندلعت، الجمعة، شرارة اولى لما وُصف بـ”حراك جيل زد” في عدد من مدن الجزائر، بعد دعوات اطلقها نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي للاحتجاج على ما اعتبروه انسدادا سياسيا وهيمنة للاجهزة الامنية على مفاصل الحياة العامة.
ووفق تقارير اعلامية، فقد ظهرت الحملة الرقمية في صيغة وسم “GenZ213” عبر تيليغرام وتيك توك، مرفقة بتواريخ محددة للخروج الى الشارع، ابتداء من الثالث من اكتوبر، وهو الموعد الذي ترافق مع تعبئة غير مسبوقة لاجهزة الامن، خصوصا في العاصمة وهران وقسنطينة.
وسُجلت تحركات محدودة في بعض الاحياء الشعبية بالعاصمة الجزائر، ابرزها باب الواد وساحة اول ماي، حيث اظهرت مقاطع ميدانية نُشرت على تويتر وتيك توك محاولات تجمع سرعان ما تم تفريقها، في ظل غياب تغطية رسمية من وكالة الانباء الجزائرية، وامتناع الصحافة الحكومية عن الاشارة الى الاحداث بشكل مباشر.
وفي موازاة ذلك، تداولت صفحات جزائرية على منصات مفتوحة مقاطع فيديو تُظهر تدخلات امنية رافقها ما يبدو انه اطلاق نار.
ورغم ان هذه المقاطع لم يتسن التاكد من صحتها او تحديد زمنها وموقعها بدقة، الا ان غياب اي توضيح رسمي من مديرية الامن او الدرك ابقى التساؤلات مفتوحة واثار ردود فعل واسعة على المنصات الرقمية.
وبحسب المعطيات المتوفرة من منصات رقمية ذات مصداقية، فقد تم تسجيل انتشار امني استباقي واسع النطاق منذ مساء الخميس، شمل تقييد حركة المرور في بعض المحاور الحضرية، خصوصا قرب المؤسسات الجامعية والمراكز الكبرى، اضافة الى ما يُشتبه بانها اعتقالات وقائية طالت شبانا كانوا ينشطون على تطبيقات التواصل، لكن لم تُعلن وزارة الداخلية الجزائرية اي معطيات رسمية بشأنها.
في موازاة ذلك، تداولت صفحات جزائرية على منصات مفتوحة مقاطع فيديو يُزعم انها توثق اطلاق نار حي خلال تدخلات امنية لتفريق مجموعات من الشبان، دون ان يتسنى التحقق من صحتها من مصادر مستقلة، ودون ان تُرفق بتاريخ او موقع محدد. كما لم يصدر عن مديرية الامن او الدرك اي بلاغ يؤكد او ينفي هذه المزاعم.
وياتي هذا الحراك في ظرف اقليمي دقيق، يتسم بتصاعد الضغط الاجتماعي على خلفية استمرار ارتفاع نسب البطالة، وغياب اي انفراج سياسي منذ الاستفتاء الدستوري سنة 2020.
وتُظهر بيانات البنك الدولي ان البطالة وسط الشباب في الجزائر تجاوزت 30% بنهاية 2024، فيما لا تزال الصحافة المستقلة تشتكي من التضييق المتزايد، بعد غلق عدد من المنصات مثل “مغرب ايميرجان” و”راديو م”.
وكانت تقارير حقوقية قد وثقت في تقريرها السنوي الاخير “تراجعا مقلقا في منسوب الحريات العامة في الجزائر”، محذرة من “مأسسة القمع الوقائي” واستعمال التكييف القضائي الفضفاض لتجريم التعبير عن الراي، خصوصا في صفوف الشباب.
وفي غياب اي بيان من الرئاسة الجزائرية او الحكومة حول تحركات هذا اليوم، يرى مراقبون ان تعاطي السلطة مع ما يُعرف بـ”جيل زد” لا يختلف كثيرا عن نمطها السابق في التعامل مع الحراك الشعبي لعام 2019، حيث طغى التفسير الامني على اي محاولة للفهم السياسي، وتحوّلت قضايا التمثيلية والتاطير الى مجرد ملفات امنية مغلقة.
كما حذر متابعون من احتمال اتساع الفجوة بين الاجيال السياسية التقليدية والشباب الحضري المتصل بالمنصات الرقمية، خصوصا وان هذا الحراك الجديد لا يستند الى اي تنظيم سياسي او نقابي، بل يُوظف منطق المفاجاة والتعبئة العاطفية العابرة، ما يجعله عصيا على الاحتواء بالطرق التقليدية.
ويبدو ان النظام الجزائري، رغم انخراطه في حملات دعائية اقليمية لابراز استقراره، لا يزال يواجه صعوبة في اقناع الاجيال الجديدة بمشاريع الدولة، في ظل غياب فرص الاندماج الاقتصادي واستمرار احتكار القرار في يد دائرة مغلقة من العسكريين والبيروقراطيين.

