تعيش منطقة جنوب آسيا موجة غير مسبوقة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، غضب شعبي واسع تجاه الفساد والتدهور الاقتصادي وتهميش الشباب، ما أدى إلى سقوط حكومات وتغييرات في موازين القوى السياسية بعدة دول.
واندلعت الشرارة الأولى في نيبال عقب قرار الحكومة حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تتوسع المظاهرات احتجاجا على الفساد والأوضاع المعيشية الصعبة. وأسفرت المواجهات عن مقتل 19 شخصا، واستقالة رئيس الوزراء كيه بي شارما أولي في سبتمبر الماضي، فيما تتولى حكومة انتقالية التحضير لانتخابات جديدة في مارس المقبل.
وفي بنغلاديش، تفجرت احتجاجات واسعة عام 2024 بسبب المحسوبية في التوظيف وقمع المعارضة وغلاء المعيشة، أدت إلى استقالة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد بعد أكثر من 15 عاما في الحكم. وتستعد حكومة مؤقتة الآن لإجراء انتخابات في فبراير 2026 وسط وعود بإصلاحات سياسية ومؤسسية.
أما سريلانكا، فشهدت عام 2022 واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخها، حيث أدى نقص الوقود والغذاء وارتفاع التضخم إلى احتجاجات حاشدة أجبرت الرئيس غوتابايا راجاباكسا على الاستقالة ومغادرة البلاد.
ورغم تجنب الهند وباكستان موجات الاحتجاجات الكبرى، فقد عرفتا تحولات سياسية مهمة. ففي باكستان، حقق حزب “حركة إنصاف” المعارض مكاسب انتخابية كبيرة عام 2024 مستفيدا من غضب الشباب تجاه النخبة السياسية والجيش، بينما خسر حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم في الهند أغلبيته البرلمانية لأول مرة منذ عقد بسبب ارتفاع البطالة وتصاعد نفوذ المعارضة.
ويشير تقرير لمركز “ستراتفور” الأميركي إلى أن ثلاثة عوامل رئيسية تقف خلف هذه الاضطرابات: الفساد المتجذر في مؤسسات الدولة، التدهور الاقتصادي المتسارع، وتنامي وعي الشباب السياسي الذي غذته وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي العديد من دول المنطقة، يواجه المواطنون أنظمة سياسية هشة، حيث لم يُكمل أي رئيس وزراء في نيبال أو باكستان ولايته كاملة بسبب الانقسامات السياسية الحادة. كما ساهمت الأزمات الاقتصادية المتكررة في تعميق الغضب الشعبي، إذ تخضع باكستان وسريلانكا وبنغلاديش لبرامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي تفرض إجراءات تقشفية قاسية.
وتعاني المنطقة من تضخم مرتفع وبطالة متزايدة وفساد مالي واسع، فيما يعتمد اقتصاد نيبال بشكل كبير على تحويلات المغتربين التي تمثل أكثر من ربع الناتج المحلي، ما يجعلها عرضة للصدمات الخارجية.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز التعبئة الشعبية ضد الحكومات، حيث تجاوز الشباب الرقابة الإعلامية التقليدية، وحولوا الغضب الرقمي إلى احتجاجات ميدانية واسعة. ففي نيبال، تحولت المنصات إلى وسيلة رئيسية لتنظيم التظاهرات، بينما استخدم طلاب بنغلاديش الشبكات الرقمية لكشف الفساد وتوثيق القمع.
ويشير محللون إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التحولات السياسية، حيث تصعد قوى شبابية ومجتمعية تسعى لإصلاح مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، فيما تحاول النخب التقليدية الحفاظ على نفوذها وسط تزايد الضغوط الشعبية.
ورغم أن هذه التحركات قد تؤدي إلى إصلاحات تدريجية وتوسيع المشاركة السياسية، إلا أن التحديات الاقتصادية والمالية قد تحد من قدرة الحكومات الجديدة على الوفاء بوعودها، ما يبقي احتمالات التوتر وعدم الاستقرار قائمة في المدى المنظور.

