كشفت ملامح ميزانية الجزائر لسنة 2026 عن حجم الارتهان الهيكلي للاقتصاد الجزائري لتقلبات أسعار الطاقة، حيث رصدت الحكومة غلافا ماليا ضخما للتحويلات الاجتماعية يناهز 46.3 مليار دولار (6 تريليونات دينار)، ما يعادل 34% من إجمالي الإنفاق العام.
ورغم محاولات الإعلام الرسمي تقديم هذه الأرقام كدليل على “رفاه اجتماعي” يضع البلاد في صدارة المنطقة، إلا أن محللين اقتصاديين يؤكدون أن هذا الإنفاق الضخم يهدف بالأساس إلى “مقايضة السلم الاجتماعي” عبر دعم الاستهلاك، في ظل غياب بدائل إنتاجية حقيقية وفشل سياسات تنويع الاقتصاد.
وتشير بيانات قانون المالية لعام 2026 إلى اتساع حاد في الفجوة بين الموارد والنفقات؛ فبينما تقدر الإيرادات بـ 8,009 مليارات دينار، تقفز النفقات إلى 17,636 مليار دينار.
ويعكس هذا العجز الموازناتي القياسي، الذي يقارب نصف الميزانية، نموذجاً مالياً يعتمد كلياً على استنزاف الاحتياطيات النفطية لتغطية نفقات التسيير اليومي.
ويرى خبراء أن لجوء السلطة في الجزائر إلى ضخ هذه المليارات في قنوات الدعم المباشر هو “هروب إلى الأمام” لتفادي أي احتقان شعبي ناتج عن تدهور القدرة الشرائية وغياب فرص الشغل المستدامة.
وتبني الجزائر حساباتها المالية لعام 2026 على فرضية سعر مرجعي للنفط في حدود 60 دولاراً للبرميل، وهو ما يصفه مراقبون بـ “المقامرة الاقتصادية” عالية المخاطر. فالحفاظ على مستويات إنفاق اجتماعي بهذا الحجم، دون قاعدة صناعية أو فلاحية صلبة، يجعل استقرار البلاد رهينة مباشرة لدينامية أسواق الخام الدولية. وفي حال حدوث أي تراجع في الأسعار، ستجد السلطات نفسها أمام مأزق تمويلي مباشر يهدد استمرارية منظومة الدعم التي تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الحالي.
وإلى جانب المخاطر المالية، يطرح نمط الدعم المعتمد تساؤلات حول “الجدوى الاقتصادية”؛ إذ تتبع الجزائر سياسة الدعم الشامل التي يستفيد منها الميسورون والشركات الكبرى بنفس قدر استفادة الفئات الهشة.
وتعتبر تقارير اقتصادية دولية أن هذا النظام يمثل “هدراً بنيويا للموارد”، حيث تتبخر المليارات في دعم أسعار المواد الأساسية دون أن تنعكس على جودة الخدمات العامة أو تحسين الإنتاجية. فيما يشير محللون إلى أن هذا الخيار يقتل روح المبادرة الاقتصادية ويكرس تبعية المواطن المطلقة لـ “دولة الميزانية” بدلاً من “دولة الإنتاج”.
وتبرز “كلفة الفرصة البديلة” كأكبر التحديات التي يواجهها هذا النموذج؛ فالمبالغ الفلكية الموجهة لدعم الاستهلاك كان يمكن أن تشكل رافعة لاستثمارات هيكلية في البنية التحتية، والتحول الرقمي، والصناعات التحويلية.
وبدلا من ذلك، يلاحظ تضخم كتلة الأجور والتحويلات النقدية التي لا تخلق قيمة مضافة، مما يدخل الاقتصاد الجزائري في حلقة مفرغة من الاستهلاك المرتبط بالاستيراد، وهو ما يعمق بدوره نزيف العملة الصعبة.
وتظهر أرقام موازنة 2026 أن النظام الجزائري لا يزال ينظر إلى الميزانية العامة كأداة لإدارة المخاطر السياسية والاجتماعية أكثر منها وسيلة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي.
وبينما تفتخر العناوين الرسمية بلقب “الأولى عربيا في الدعم”، يرى الواقع الاقتصادي في هذا الرقم مؤشراً على هشاشة اقتصاد لا يزال عاجزاً عن التحرك دون “عكازات” النفط والغاز.
ويخلص المحللون إلى أن الاستمرار في شراء “الهدوء الاجتماعي” بهذه الكلفة الباهظة، في غياب إصلاحات هيكلية، يضع مستقبل الأجيال القادمة أمام تساؤلات وجودية حول قدرة الدولة على الصمود عند جفاف منابع الريع.

