أعلنت النيابة العامة بدولة الإمارات العربية المتحدة، الأحد، إحالة 35 شخصا من جنسيات مختلفة، في حالة اعتقال، إلى محاكمة عاجلة، للاشتباه في تورطهم في نشر محتوى رقمي مضلل يمس بالأمن العام، وذلك في ظل سياق يتسم باعتداءات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة تتعرض لها البلاد.
وأفاد بلاغ صادر عن مؤسسة النيابة العامة بأن قرار الإحالة والمتابعة جاء إثر أبحاث وتحريات تقنية أنجزتها مصالح الضابطة القضائية المختصة بالرصد الإلكتروني. وتتضمن صكوك الاتهام الموجهة للمشتبه فيهم، الإضرار بتدابير الدفاع العسكري للدولة، وتضليل الرأي العام الداخلي عبر نشر أخبار زائفة، فضلا عن الترويج لدولة أجنبية تمارس أعمال العدوان العسكري وتمجيد قيادتها.
وكشفت المعطيات الأولية لمسطرة التحقيق انقسام الموقوفين إلى ثلاث مجموعات. وقامت المجموعة الأولى بنشر وتداول مقاطع مرئية حقيقية توثق مرور واعتراض صواريخ في سماء الدولة أو آثار سقوطها، إلى جانب تصوير تجمعات أشخاص لمتابعة تلك الأحداث وإرفاقها بتعليقات توحي بوقوع هجمات. ويشكل هذا السلوك، وفق التكييف القانوني، مساسا مباشرا بالسر العسكري وعرقلة لتدابير الدفاع الجوي.
في المقابل، لجأت المجموعة الثانية إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى مفبرك، أو إعادة نشر مقاطع لوقائع حدثت خارج الدولة مع الادعاء بأنها وقعت داخلها. وتضمنت تلك المقاطع مشاهد مصطنعة لانفجارات وحرائق وتصاعد أعمدة الدخان، بهدف إثارة الهلع وبث البلبلة في صفوف المواطنين والمقيمين.
وتركز نشاط المجموعة الثالثة، وفقا لمحاضر الاستماع التمهيدي، على الترويج المباشر للجهة التي تمارس العدوان العسكري، وتمجيد أعمالها العسكرية، والإشادة باعتداءاتها المباشرة التي تستهدف الأراضي الإماراتية. وقرر الوكيل العام وضع جميع المشتبه فيهم رهن تدبير الاعتقال الاحتياطي بالسجن المحلي على ذمة التحقيق التفصيلي، تمهيدا لعرضهم على الغرفة الجنحية المختصة.
وشدد النائب العام الإماراتي على أن الأفعال المرتكبة تشكل انتهاكا جسيما لأحكام القانون الجنائي، وتستوجب تنزيل التدابير الزجرية اللازمة. واعتبر أن استغلال الفضاء الإلكتروني في نشر محتوى يمس بالقدرات الدفاعية، خاصة في ظل ما تواجهه الدولة من اعتداءات عسكرية فعلية، يعد سلوكا مجرما يواجه بإجراءات قانونية حازمة.
وتتزامن هذه المتابعات القضائية الصارمة مع سياق أمني استثنائي وإقليمي متوتر، جراء النزاع المفتوح وتداعيات الحرب الراهنة في منطقة الشرق الأوسط. وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، الأحد 15 مارس، أن منظومات الدفاع الجوي نجحت في التعامل مع 4 صواريخ باليستية و6 طائرات مسيرة قادمة من الأراضي الإيرانية.
وأكدت الوزارة، في حصيلة رسمية، أن الدفاعات الجوية تعاملت منذ اندلاع هذه الاعتداءات مع ما مجموعه 298 صاروخا باليستيا، و15 صاروخا جوالا، و1606 طائرات مسيرة. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 6 أشخاص من جنسيات إماراتية وباكستانية ونيبالية وبنغالية، إضافة إلى تسجيل 142 إصابة متفاوتة الخطورة بين مقيمين من جنسيات متعددة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التصعيد العسكري على دولة الإمارات وحدها، بل يشمل المحيط الإقليمي بأسره. فقد أشارت تقارير أمنية متطابقة إلى تجاوز حصيلة الهجمات الموجهة نحو دول الخليج عتبة 3700 صاروخ وطائرة مسيرة خلال الأيام الخمسة عشر الماضية. وطالت هذه العمليات كلا من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الكويت، حيث جرى إطلاق صفارات الإنذار ودعوة المواطنين للتوجه نحو الملاجئ والأماكن الآمنة.
وتعكس هذه الأرقام والمعطيات الميدانية حجم التحديات التي تواجهها المنظومات الأمنية والعسكرية في المنطقة. وتعمل السلطات المختصة، بالموازاة مع التصدي العسكري الميداني، على ضبط الفضاء الرقمي استباقيا لمنع استغلاله كجبهة موازية للنزاع. وتهدف التدابير القضائية الزجرية إلى الحيلولة دون تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات لترويج الإشاعات الموجهة لإضعاف الجبهة الداخلية، أو التأثير سلبا على معنويات القوات المسلحة.
وأكدت القيادة العسكرية استمرار جاهزيتها التامة واستنفار وحداتها للتعامل مع مختلف التهديدات الجوية، والتصدي بحزم لكل ما يستهدف زعزعة الأمن القومي، بما يضمن حماية السيادة الوطنية والمقدرات الاقتصادية. وتكتسي هذه الإجراءات المزدوجة، العسكرية والقضائية، أهمية بالغة لضمان استمرارية المرافق الحيوية في الدولة، التي تشكل مركزا ماليا وتجاريا استراتيجيا، وتستقطب ملايين المقيمين والمستثمرين.
ويطرح التنوع الديمغرافي للموقوفين في شبكات التضليل الرقمي تحديات إضافية تتطلب تنسيقا أمنيا دقيقا. وتعكف فرق الضابطة القضائية المكلفة بمكافحة الجرائم السيبرانية على تتبع المسارات الرقمية والمالية لهذه المجموعات، بهدف تحديد الارتباطات المحتملة مع جهات خارجية قد تكون مسؤولة عن تمويل وتوجيه حملات الدعاية، وتطويق أي محاولات لتوظيف المنصات الاجتماعية كأدوات اختراق في النزاعات العسكرية الراهنة.

