تتجه الأنظار في قطاع الشحن العالمي إلى جنوب المكسيك، حيث يبرز مشروع ممر برزخ تيهوانتيبيك كأحد أبرز البدائل الاستراتيجية لقناة بنما، في ظل تصاعد الضغوط المناخية التي تعرقل حركة التجارة البحرية الدولية.
ويقوم المشروع على ربط المحيط الهادئ بخليج المكسيك عبر شبكة سكك حديدية حديثة تمتد على مئات الكيلومترات، مدعومة بموانئ متطورة وبنية لوجستية وصناعية، في إطار ما يعرف بمفهوم “القناة الجافة” التي تتيح نقل البضائع برا بين سواحل المحيطين بسرعة أكبر مقارنة بالممرات البحرية التقليدية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه قناة بنما تحديات غير مسبوقة بسبب انخفاض منسوب المياه، نتيجة التغيرات المناخية وظاهرة النينيو، ما أدى إلى تقليص عدد السفن المسموح لها بالعبور يوميا وفرض قيود على الحمولة، وهو ما انعكس سلبا على سلاسل الإمداد العالمية من خلال تأخيرات وارتفاع في تكاليف الشحن.
وتعتمد القناة بشكل رئيسي على المياه العذبة القادمة من بحيرة جاتون، التي شهدت تراجعا ملحوظا في مستوياتها، ما دفع السلطات إلى خفض عدد الرحلات اليومية بشكل كبير، في وقت تستهلك فيه كل عملية عبور كميات ضخمة من المياه، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع في ظل استمرار التغير المناخي.
في المقابل، يطرح الممر المكسيكي نفسه كخيار عملي لتجاوز هذه القيود، حيث يتم نقل البضائع بحرا إلى أحد السواحل، ثم عبر السكك الحديدية إلى الساحل الآخر، قبل إعادة شحنها نحو وجهتها النهائية. وقد بدأت بالفعل عمليات نقل تجريبية منذ عام 2023، مع توقع اكتمال المشروع بشكل كامل خلال العام الجاري.
وأظهرت تجارب أولية قدرة هذا الممر على تقليص زمن العبور بشكل لافت، إذ يمكن نقل البضائع بين المحيطين في غضون أيام قليلة، مقارنة بأسابيع عبر قناة بنما في ظروف الجفاف، ما يعزز جاذبيته لدى الشركات العالمية الباحثة عن حلول أكثر مرونة.
غير أن هذا المشروع لا يخلو من تحديات، إذ يثير مخاوف بيئية تتعلق بإزالة الغابات وتأثيره على النظم الطبيعية في المنطقة، إلى جانب قلق المجتمعات المحلية من تداعياته على أراضيها ومواردها. كما أثار حادث قطار وقع مؤخرا تساؤلات حول معايير السلامة المرتبطة بالبنية التحتية الجديدة.
ويعكس هذا التطور تحولا أوسع في أنماط التجارة العالمية، حيث تسعى الدول إلى تنويع مسارات الشحن وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالمناخ. ويبقى مستقبل هذا الممر رهينا بقدرته على تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية، في عالم يشهد تغيرات متسارعة في خريطة النقل والتجارة الدولية.

