تواجه رقمنة سلاسل التوريد بالمغرب عوائق بنيوية ترتبط بارتفاع كلفة الاستثمار، ونقص الكفاءات المتخصصة، وتفاوت الجاهزية الرقمية، لاسيما داخل نسيج اقتصادي تشكل المقاولات الصغرى والمتوسطة عصبه الأساسي، وفق ما أفادت دراسة أكاديمية حديثة.
وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية “أوبرايشنز ريسيرش فوروم” التابعة لمجموعة “سبرينغر نيتشر”، أن الارتقاء بأداء سلاسل الإمداد الوطنية يستوجب تسريع إدماج تقنيات الجيلين الرابع والخامس للصناعة (4.0 و 5.0) في قطاعات التصنيع واللوجستيك والتصدير الفلاحي.
وتضم هذه التكنولوجيات إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وتعلم الآلة، وسلاسل الكتل (البلوك تشين)، والتوائم الرقمية، باعتبارها أدوات كفيلة بتجويد التتبع، وخفض التكاليف، وضبط آجال التسليم، وتعزيز مرونة المقاولات في مواجهة اضطرابات الإمداد.
ونبه الباحثان، أيوب الواردي وعثمان عبدون، في هذه الدراسة إلى أن الاعتماد المنعزل لهذه التقنيات لا يضمن تحقيق تحول رقمي فعلي.
ويستلزم الانتقال، بحسب المصدر ذاته، إرساء منظومة مندمجة تعتمد على توحيد البيانات، وربط الأنظمة السحابية بالحوسبة الطرفية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير آليات إدارة الهوية، وتشغيل النماذج التحليلية الذكية.
استندت هذه الخلاصات إلى مراجعة نطاقية شملت 300 مصدر، ورسم خرائطي للأدبيات العلمية، إلى جانب مسح لمنظومة تضم 903 مقاولات ناشئة مغربية، واستطلاع استكشافي لعينة من سبعة خبراء.
ويضفي هذا المنهج على الدراسة طابعا تركيبيا يحدد شروط وممكنات التحول الرقمي، عوض تقديم قياس ميداني شامل لمستوى الرقمنة داخل المقاولات.
وخلص البحث إلى أن المقاولات الصغرى والمتوسطة تمثل الحلقة الأضعف في مسار التحول. ورغم الضغوط المفروضة عليها للانخراط في سلاسل توريد تتسم بالسرعة والشفافية، تصطدم هذه الوحدات بمحدودية الموارد المالية والبشرية والتقنية.
وتتصدر فجوة المهارات الرقمية، وارتفاع كلفة المعدات، وضعف القدرة التمويلية لاقتناء الأنظمة المتقدمة، قائمة العوائق التي تؤخر انتقالها نحو التدبير القائم على البيانات.
وحذرت الوثيقة من تفاوت مستوى الجاهزية الرقمية بين الفاعلين الاقتصاديين والمجالات الترابية، وهو معطى يهدد بحصر مكاسب التحول الرقمي في المقاولات الكبرى والمراكز الاقتصادية المجهزة، مع إقصاء شريحة واسعة من النسيج الإنتاجي الوطني.
وفي سياق الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030″، أكدت الدراسة أن نجاح السياسات العمومية في هذا المجال يقاس بمدى اختراق الرقمنة للفضاءات التشغيلية الحقيقية، بما يشمل المصانع، والمخازن، وشبكات النقل والتوزيع.
واقترح الباحثان تقييم أثر الرقمنة عبر مؤشرات أداء عملية، تشمل نسب خفض التكاليف، وتسريع التسليم، ودقة التتبع، وقدرات الصيانة الاستباقية، والحد من مخاطر انقطاع الإمداد.
وتنتهي الدراسة إلى أن التحديث الفعلي لسلاسل التوريد في المغرب يتجاوز مجرد اقتناء التكنولوجيا، ليفرض بناء منظومة متكاملة توائم بين الحلول الرقمية والاحتياجات الفعلية للمقاولات ومتطلبات التنافسية في الأسواق الدولية.

