عاد الجدل حول الرحلات الجوية الخاصة إلى واجهة النقاش المناخي، بعد انتقادات بيئية رافقت تنقل عدد من نجوم السينما ورجال الأعمال بطائرات خاصة إلى مهرجان كان، في وقت يدعو فيه خبراء إلى فرض ضريبة كربون مرتفعة على هذا النوع من الرحلات.
ويقول المدافعون عن هذا التوجه إن الطيران الخاص يطرح إشكالا بيئيا خاصا، لأنه يجمع بين استهلاك مرتفع للوقود الأحفوري وعدد محدود من الركاب، بخلاف الرحلات التجارية التي توزع الانبعاثات على عشرات أو مئات المسافرين.
وتغذي هذه الانتقادات نقاشا أوسع حول عدالة السياسات المناخية، خصوصا في قطاع الطيران، الذي ما يزال يعتمد أساسا على وقود الكيروسين، رغم الضغوط الدولية لخفض الانبعاثات وتوسيع استعمال وقود أقل تلويثا.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير في البيئة والتنمية أحمد الطلحي أن الرحلات الجوية الخاصة لا ينبغي أن تعامل ضريبيا وبيئيا بالطريقة نفسها التي تعامل بها الرحلات التجارية العادية.
وقال الطلحي، في ورقة حول الموضوع، إن أكثر من 700 رحلة بطائرات خاصة سجلت هذا العام في اتجاه مهرجان كان السينمائي، واستهلكت في المجمل حوالي مليوني لتر من وقود الكيروسين الأحفوري.
وأضاف أن هذه الرحلات جرت في ظرف يتزايد فيه الضغط على سوق الوقود وتذاكر النقل الجوي، بفعل اضطرابات جيوسياسية وارتفاع كلفة الطاقة، ما يجعل استعمال الطائرات الخاصة أكثر إثارة للجدل من الناحية المناخية والاجتماعية.
وبحسب التقديرات التي أوردها الطلحي، فإن حجم التلوث المرتبط بهذه الرحلات يعادل ما تخلفه سيارة تقطع مسافة 30 مليون كيلومتر، أو ما يوازي انبعاثات رحلات جوية تجارية عادية ذهابا وإيابا بين باريس وأثينا لنقل 14 ألف راكب.
وقدّر الخبير البيئي الحجم الإجمالي للانبعاثات الناتجة عن هذه الرحلات بحوالي خمسة آلاف طن من الكربون، معتبرا أن الأمر يقدم مثالا على كلفة مناخية مرتفعة يتحمل أثرها العام، بينما يستفيد منها عدد محدود جدا من المسافرين.
وسبق لناشطين بيئيين أن دعوا نجوما عالميين إلى عدم استعمال طائراتهم الخاصة للتنقل نحو مدينة كان، واعتماد الرحلات الجوية العادية أو وسائل نقل أخرى، في محاولة للضغط على أنماط السفر عالية الانبعاثات.
ولا يقتصر الجدل على مهرجان كان وحده. فقد أصبحت الطائرات الخاصة، خلال السنوات الأخيرة، عنوانا متكررا في النقاش المناخي الدولي، بسبب ارتفاع الانبعاثات لكل راكب مقارنة بالطيران التجاري، خصوصا في الرحلات القصيرة التي يمكن تعويض بعضها بوسائل نقل أقل تلويثا.
ويستند جزء من هذا النقاش إلى مبدأ “الملوث يؤدي”، الذي يقوم على تحميل الأنشطة الأعلى تلويثا كلفة مالية أكبر، بدل ترك الانبعاثات خارج السعر الحقيقي للخدمة أو السلعة.
ويرى الطلحي أن فرض ضريبة كربون عالية على الرحلات الجوية الخاصة، في كل مطار تهبط فيه، يمكن أن يشكل أداة مباشرة لرفع كلفة هذا النوع من التنقل، وبالتالي تقليص عدد الرحلات والحد من الانبعاثات المرتبطة بها.
ولا يدعو المقترح، وفق الورقة نفسها، إلى منع الطائرات الخاصة، بل إلى وقف مساواتها مع الرحلات التجارية العادية، بالنظر إلى الفارق الكبير بين حجم الانبعاثات وعدد المستفيدين من كل رحلة.
ويقترح الطلحي توجيه المبالغ المحصلة من هذه الضريبة إلى تمويل مشاريع مناخية، خصوصا تلك المرتبطة بالتكيف مع آثار التغير المناخي ومواجهة الكوارث الناتجة عن الظواهر القصوى.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه كلفة الظواهر المناخية المتطرفة، من موجات الحر والبرد الشديدين إلى التساقطات الطوفانية والعواصف، وهي آثار تقول الهيئات المناخية الدولية إنها ترتبط بتراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
وبذلك، يتحول ملف الرحلات الجوية الخاصة من نقاش حول نمط سفر فاخر إلى سؤال سياسي وبيئي أوسع: من يدفع كلفة الانبعاثات، وكيف توزع أعباء الانتقال المناخي بين استعمالات ضرورية وأخرى عالية الرفاهية.


