تدخل الجزائر، الإثنين مرحلة تقنية حاسمة ضمن جولة تراخيص دولية لاستكشاف النفط والغاز، في توجه يعكس استمرار ارتهان اقتصاد البلاد لعائدات المحروقات لمواجهة عجز مالي متنام، وذلك في تعارض واضح مع الخطابات الرسمية الداعية لتقليص التبعية وتنويع مصادر الدخل.
وأفادت وكالة “رويترز” بأن الحكومة الجزائرية تعرض، ضمن هذه الجولة التي تستهدف استقطاب الاستثمارات الأجنبية، سبع كتل استكشافية في مناطق ورقلة وإليزي وتوقرت والبيض.
وتشمل المرحلة التقنية الجارية، التي تمتد إلى غاية 31 أكتوبر المقبل، توفير وثائق المناقصة للمستثمرين الدوليين، على أن تغلق آجال إيداع العروض في 26 نونبر، تمهيدا لتوقيع عقود “تقاسم الإنتاج” أو “المشاركة” مع الشركة الوطنية “سوناطراك” بحلول 31 يناير 2027.
وتتزامن هذه الاستحقاقات الطاقية مع سياق مالي داخلي يتسم بتصاعد لافت في حجم الإنفاق العمومي. فقد كشفت وكالة “رويترز”، في قراءتها لمعطيات مشروع ميزانية 2026، عن نفقات حكومية متوقعة تتجاوز 135 مليار دولار، بزيادة مطردة مقارنة بسنتي 2025 (128 مليار دولار) و2024 (112 مليار دولار).
ويفرز هذا المسار، وفق المصدر ذاته، عجزا يقارب 40 مليار دولار، أي ما يمثل 12.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وتعكس بنية الميزانية الجزائرية، بناء على الأرقام المنشورة، توجيها مكثفا للموارد نحو استيعاب الضغوط الاجتماعية الداخلية؛ إذ تستحوذ كتلة أجور القطاع العام وحدها على نحو 45 مليار دولار.
ويضع هذا العبء المالي السلطات أمام حتمية ضخ سيولة مستمرة من القطاع الاستخراجي للحفاظ على توازنات سياسية واجتماعية دقيقة، بالرغم من إعلان وزارة الطاقة أن الجولة تروم بالأساس تعزيز دور البلاد كفاعل في أمن الطاقة العالمي.
ويتقاطع هذا الوضع المالي الذي كشفت عنه المعطيات الدولية مع تشخيصات حديثة للمؤسسات المالية الكبرى. فقد نبه صندوق النقد الدولي، في أحدث تقاريره، إلى تزايد مستويات الهشاشة المالية للجزائر، مشددا على أن تقلبات أسواق الطاقة والارتفاع المفرط للإنفاق العمومي يهددان استدامة التوازنات الكبرى، وداعيا إلى التعجيل بتنزيل إصلاحات هيكلية.
من جهته، حذر البنك الدولي من التداعيات السلبية لتراجع الصادرات النفطية والقيود المرتبطة بحصص منظمة “أوبك”، رابطا معدلات النمو المسجلة مؤخرا بالطفرة الاستثنائية في النفقات الحكومية، ومحذرا من غياب محركات نمو ذاتية ومستدامة.
وتبرز العودة إلى استقطاب الرساميل الأجنبية في قطاع المنبع، كما توضحها تفاصيل التراخيص التي أوردتها وكالة الأنباء الدولية، مفارقة هيكلية في النموذج الجزائري؛ ففي الوقت الذي تعتمد فيه السلطات خطابا يرتكز على السيادة الاقتصادية، تلجأ إلى الشركات المتعددة الجنسيات لتطوير قطاعها الاستخراجي المتقادم.
وتوظف هذه العائدات الريعية بشكل رئيسي لتمويل سياسة خارجية ترتكز على إدامة النزاعات الإقليمية المفتعلة، بدل توجيه المقدرات نحو الانخراط في مسارات الاندماج المغاربي.
ويفرز هذا المسار تباينا صريحا مع الدينامية التنموية في المنطقة، حيث تواصل المملكة المغربية مراكمة مكتسبات استراتيجية عبر تنويع مقومات اقتصادها الوطني.
ويظهر هذا التباين من خلال تعزيز المغرب لبنياته التحتية المينائية واللوجستية، وتطوير المنظومات الصناعية المتقدمة، وريادته في قطاع الطاقات المتجددة، فضلا عن إطلاق مبادرات مهيكلة ذات بعد قاري كالواجهة الأطلسية، بما يؤسس لنموذج اقتصادي يخلق الثروة ويضمن الاستقلالية الاستراتيجية، بعيدا عن الارتهان المطلق لتقلبات أسواق المواد الأولية.


