لم يعد الخلاف داخل الطريقة القادرية البودشيشية مجرد تنافس حول موقع روحي داخل زاوية عريقة. فقد أخذ الملف، خلال الأيام الأخيرة، منحى أكثر حساسية بعد انتقال جزء من السجال إلى خطاب إعلامي وسياسي يلامس مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما تحمله من ارتباط مباشر بتدبير الحقل الديني تحت إمارة المؤمنين.
وتفيد قراءات متابعة للملف بأن بعض الأصوات المحسوبة على محيط منير القادري لم تكتف بالدفاع عن وجهة نظرها داخل النقاش حول المشيخة، بل اتجهت إلى توسيع دائرة المواجهة عبر توجيه انتقادات مباشرة أو غير مباشرة إلى مؤسسات رسمية تشرف على المجال الديني. وهنا، تغيرت طبيعة القضية. فالخلاف لم يعد داخليا، بل أصبح يقترب من منطقة تمس التوازن الديني والمؤسساتي في البلاد.
ويظهر هذا التحول في ثلاثة مستويات أساسية.
أولا، السعي إلى تصوير الخلاف حول المشيخة كأنه صدام مع وزارة الأوقاف، بدل التعامل معه كملف داخلي يحتاج إلى ضبط وحكمة. هذا الاختيار يمنح النزاع حجما أكبر من طبيعته، ويدفعه نحو مواجهة لا تخدم الزاوية ولا تاريخها.
ثانيا، استهداف شخصيات رسمية، وفي مقدمتها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بصفته المسؤول الحكومي المكلف بتدبير قطاع ديني حساس. فالانتقاد السياسي أو الإداري يبقى واردا في أي نقاش عمومي، لكن تحويله إلى أداة ضغط في صراع حول الزعامة الروحية يطرح أسئلة حول خلفياته وحدوده.
ثالثا، محاولة بعض الخطابات تقديم مؤسسات الدولة كطرف في النزاع، لا كجهة ضامنة للتوازن الديني العام. وهذا المنحى يحمل خطورة خاصة، لأنه يربط طموحا شخصيا أو عائليا بسؤال سيادي يتجاوز الأشخاص والزوايا.
في المغرب، لا تنفصل وزارة الأوقاف عن البنية العامة لإمارة المؤمنين. فهي تتحرك ضمن تصور ديني رسمي يقوم على وحدة المرجعية، وضبط الفتوى، وحماية الأمن الروحي للمواطنين. لذلك، فإن أي هجوم ممنهج على هذه المؤسسة، أو محاولة إضعاف صورتها عبر حملات إعلامية، يقرأ في سياقه الأوسع كمساس غير مباشر بهندسة دينية تشكل أحد أعمدة الاستقرار المغربي.
وتبدو خطورة هذا المسار في أنه يحاول نقل الزاوية من موقعها الطبيعي، أي التربية الروحية والتزكية، إلى موقع الضغط والمواجهة. فالزوايا في المغرب لا تستمد قوتها من الصدام مع الدولة، بل من انسجامها مع الثوابت الجامعة، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين.
كما أن استعمال الإعلام لتوسيع دائرة النزاع لا يصنع شرعية روحية. فالشرعية داخل الزوايا لا تنتجها الحملات ولا العناوين ولا المقالات الموجهة، بل ينتجها القبول، والسلوك، والاستمرارية، والقدرة على جمع المريدين لا تفريقهم.
ومن هنا، فإن أخطر ما في تحركات بعض أتباع منير القادري، وفق متابعين، لا يكمن في دفاعهم عن موقف داخل الخلاف، بل في الطريقة التي اختاروا بها إدارة هذا الدفاع. فقد جرى تحويل النقاش من سؤال داخلي حول من يقود الطريقة، إلى خطاب يضع المؤسسات في موقع الخصم. وهذا خطأ في تقدير طبيعة الدولة المغربية وحدود الحقل الديني فيها.
إن إمارة المؤمنين ليست طرفا في خلافات الزوايا، بل هي المرجعية الجامعة التي تضبط المجال الديني وتحميه من الانقسام والتوظيف. وأي محاولة لاستدراج هذا الموقع الدستوري والرمزي إلى نزاع حول المشيخة تعد انزلاقا خطيرا، لأنها تخلط بين طموحات الأفراد وثوابت الدولة.
فالزاوية التي راكمت حضورها عبر خطاب السلوك والتربية لا تحتاج إلى معارك مفتوحة مع المؤسسات. تحتاج إلى هدوء، وإلى احترام قواعد الحقل الديني المغربي، وإلى إدراك أن المشيخة لا تبنى بتحدي الدولة، بل بحفظ وحدة الطريقة واحترام مرجعيتها الكبرى.


