ذ/ ناجي الكتامي
منذ بداية هذه الولاية الحكومية برز توجه تشريعي أثار الكثير من الجدل تجسد في سلسلة من مشاريع القوانين التي مست عددا من القطاعات والحقوق الأساسية.
ويرى كثير من المتتبعين أن هذه النصوص تتجه نحو إضعاف آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية اللوبيات الاقتصادية وتعقيد مساطر البحث والتحقيق في الجرائم الماسة بالمال العام والتضييق على حرية الرأي والتعبير والحد من الحق في الإضراب فضلا عن تكريس الوصاية على مختلف مكونات منظومة العدالة بما ينعكس على استقلالها وعلى حق المواطن في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما يعتبره البعض انقلابا تشريعيا على روح دستور 2011 من خلال القوانين التنظيمية والعادية.
وفي هذا السياق، اختارت جمعية هيئات المحامين بالمغرب باعتبارها الإطار الممثل لجميع المحامين و اخلاصا لمساهمتها التاريخية في بناء دولة الحق و القانون، أن تتصدى لهذا المسار عبر محطات نضالية متتالية بدأت مع مشروع قانون المسطرة المدنية، ثم مشروع قانون المسطرة الجنائية، وصولا إلى مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
ومنذ صدور أول مسودة لهذا المشروع الأخير، عملت الجمعية على إلزام وزارة العدل باحترام مبدأ المقاربة التشاركية المنصوص عليه دستوريا، انطلاقا من كونها الطرف المعني مباشرة بالقانون. فالمقاربة التشاركية لا تعني مجرد عقد لقاءات شكلية أو الاستماع إلى الآراء دون أثر، وإنما تعني إشراك الفاعلين الأساسيين في إعداد التشريع بصورة حقيقية، لا بمنطق “شاورها ولا دير بريها”.
وفي المقابل، جرى تسخير خطاب إعلامي حاول اختزال نضال المحامين في كونه دفاعا عن مطالب فئوية ضيقة، غير أن النقاش الذي رافق مشروعي قانوني المسطرة المدنية والجنائية كشف للرأي العام أن جانبا كبيرا من التعديلات التي دافعت عنها هيئة الدفاع كان هدفه حماية حقوق المتقاضين وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما أفشل محاولات شيطنة المحامين، وأدى إلى اتساع دائرة التضامن معهم من طرف عدد من مكونات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين الجادين.
ورغم ذلك، استمرت الوزارة الوصية في نهج التجاهل، شأنها في ذلك شأن ملفات اجتماعية ومهنية أخرى عرفتها هذه الولاية، سواء تعلق الأمر بالأساتذة أو أطر وزارة العدل او العدول او الأطباء أو الطلبة وغيرهم، حيث أصبحت سياسة تأجيل الحوار أو التنصل من مخرجاته سمة متكررة.
واليوم، وبعد استنفاد مختلف أشكال الحوار وامام ثبوت عدم نجاعته لا يزال التوقف الشامل الذي أعلنته جمعية هيئات المحامين بالمغرب متواصلا، بما يعني أن بلادنا تعيش وضعا استثنائيا يشتغل فيه مرفق العدالة دون أحد مكوناته الأساسية، وهو وضع لا يمكن أن يستمر دون كلفة على المتقاضين وعلى دولة القانون.
وانطلاقا من ذلك، يشرع مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب في اعتصام مفتوح أمام البرلمان في خطوة تؤكد أن الجمعية ما زالت تؤمن بدولة المؤسسات وبأن الحقوق لا تصان إلا بالنضال المشروع، رغم ما شهدته من تراجع عن التزامات سابقة سواء على مستوى وزارة العدل أو رئاسة الحكومة، حيث يتم الاتفاق على مخرجات معينة ثم التنصل منها، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تعيشها الممارسة الديمقراطية ببلادنا، دون الاشارة الى الخطاب الذي يستعمله وزير العدل في قبة البرلمان.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستظل هيئة الدفاع صامدة في مواجهة السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهما تمضيان في مشروع تعتبره استهدافا لآخر معاقل الحرية والاستقلال داخل منظومة العدالة؟ وهل ستنجح في انتزاع حق المواطن في دفاع مستقل، قوي وحصين، باعتباره أحد أهم ضمانات دولة الحق والقانون؟

