أفاد تحليل إسباني بأن المصالح التجارية والصناعية المتشابكة بين المغرب وإسبانيا حالت دون تحول موجة العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، في ظل حاجة البلدين المتبادلة لاستمرار التعاون الأمني والاقتصادي عبر مضيق جبل طارق.
وذكرت منصة “إنفوباي” الإسبانية في تقرير للصحفية إيريني جي. دومينغيث، أن مدريد تعتمد بشكل كبير على التعاون الأمني المغربي لضبط تدفقات الهجرة، في حين تمثل السوق الإسبانية المنفذ الرئيسي للصادرات المغربية والمصدر الأول للاستثمارات والمعدات الصناعية.
وتأتي هذه المعطيات في أعقاب محاولة عشرات الآلاف من الأشخاص عبور الحدود انطلاقا من شمال المغرب، مما أعاد إلى الأذهان أزمة الهجرة في ماي 2021 وأثار تساؤلات في الداخل الإسباني حول نجاعة المراقبة الحدودية.
واستبعد التحليل وجود أدلة علنية تفيد بتنظيم الرباط لموجة العبور أو السماح بها عمدا، مؤكدا أن السلطات في البلدين سارعت لاحقا إلى تعزيز الانتشار الأمني وتسهيل عمليات عودة عدد من الواصلين.
سلاسل إمداد وحركة تجارية غير منقطعة
خلال ذروة التوتر الحدودي الأخير، واصلت العبارات والسفن التجارية رحلاتها المعتادة بين ضفتي المضيق، ناقلة الشاحنات المحملة بالبضائع التي شملت مكونات السيارات، والآلات، والوقود، والملابس، والمنتجات الفلاحية والبحرية.
وبحسب بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية، تجاوزت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار أورو خلال عام 2024.
وتحتفظ إسبانيا بموقعها كشريك تجاري أول للمغرب، مع تسجيل مدريد فائضا تجاريا فاق ثلاثة مليارات أورو.
وأوضحت “إنفوباي” أن الترابط الاقتصادي يتجاوز تبادل المنتجات النهائية ليصل إلى اندماج في سلاسل الإنتاج المشتركة، لا سيما في قطاعات السيارات والنسيج والمعدات الكهربائية.
وتتولى الشركات نقل المكونات الصناعية من إسبانيا إلى المصانع المغربية لتجميعها أو تحويلها، قبل إعادتها إلى السوق الإسبانية أو تصديرها نحو دول أوروبية أخرى.
ويجعل هذا التداخل أي اضطراب حدودي طويل الأمد أمرا عالي التكلفة للشركات التي تعتمد على جداول توريد دقيقة، خصوصا في قطاعات المنتجات سريعة التلف.
استثمارات ومشاريع استراتيجية مشتركة
تنشط أكثر من 350 شركة إسبانية في المغرب، وفقا لبيانات الحكومة الإسبانية، وتشمل قطاعات حيوية كالبناء، والطاقة، والمياه، والخدمات البنكية، مما يجعل المملكة الوجهة الإفريقية الأولى للاستثمارات الإسبانية.
وتنخرط مدريد في مشاريع استراتيجية مغربية كبرى، منها تمويل يناهز 750 مليون أورو لاقتناء 40 قطارا، إضافة إلى مشاركة الشركات الإسبانية في مشاريع تحلية المياه والبنية التحتية المرتبطة بالاستعدادات المشتركة لتنظيم كأس العالم 2030.
من جهته، يراهن المغرب على الأسواق الأوروبية لتعزيز موقعه كمنصة صناعية قريبة من الاتحاد الأوروبي. وقد بلغ حجم تجارة السلع بين الرباط والاتحاد الأوروبي 62.2 مليار أورو في عام 2025، حيث شكلت الآلات ومعدات النقل أكثر من نصف الواردات الأوروبية من المغرب.
ويرى التحليل أن هذا النموذج الصناعي يتطلب استقرارا سياسيا وحدوديا يضمن قدرة المستثمرين على نقل السلع دون انقطاع.
معادلة الأمن والاقتصاد
على الصعيد الأمني، لا تستطيع إسبانيا تجاهل الدور المغربي المحوري في مراقبة أحد أكثر المسارات حساسية في سياسة الهجرة الأوروبية.
ونقلت المنصة عن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، تأكيده أن المغرب “ليس تهديدا بل شريك موثوق تماما”، محملا شبكات الاتجار بالبشر مسؤولية التحريض على الأحداث الأخيرة.
وخلص التحليل إلى أنه رغم التباين في طبيعة الاعتماد المتبادل، حيث تمتلك إسبانيا مرونة أكبر في البحث عن موردين بدائل مقارنة بصعوبة تعويض المغرب للسوق الأوروبية على المدى القصير، إلا أن الرباط تحتفظ بورقة جغرافية وأمنية لا يمكن لمدريد تجاوزها.
وتفرض هذه المصالح المتبادلة، والوزن الاستثماري الإسباني داخل الاقتصاد المغربي، توازنا يمنع تحول التوترات الحدودية إلى قطيعة، ويدفع البلدين نحو إعادة ضبط شراكتهما عقب كل أزمة.

