يقود رجل الأعمال الإسباني فيسنتي بولودا حملة إعلامية منحازة بشأن سبتة، بينما ترتبط مجموعته البحرية بعقود وشراكات استراتيجية تدر عليها ملايين اليوروهات بفضل المؤسسات والموانئ المغربية.
ويكشف تتبع مصالح بولودا عن ازدواجية واضحة. ففي وثائق الأعمال، يقدم المغرب شريكا موثوقا ومحورا للنمو البحري. أما في الخطاب العام، فتقود الجمعية التي يرأسها حملة تختزل أزمة سبتة في رواية إسبانية، وتتجاهل الضحايا المغاربة والسياق السياسي والتاريخي للمدينة.
حملة تحت غطاء التضامن
أطلقت جمعية رجال الأعمال في فالنسيا، التي يرأسها بولودا، في 11 شتنبر 2026، حملة «Todos somos caballas»، أي «كلنا من سبتة».
وقالت الجمعية إن الحملة تهدف إلى دعم سكان المدينة والدفاع عن «التماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا». كما ربطت المبادرة بتداعيات الأزمة على الاقتصاد والتشغيل الإسبانيين.
ورغم تقديمها في قالب إنساني، لم تذكر الحملة المهاجرين المغاربة الذين ماتوا أو أصيبوا أو وجدوا أنفسهم وسط شبكات التحريض والاتجار بالبشر. كما تجاهلت الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لملاحقة المحرضين ومنظمي الهجرة غير النظامية.
اختارت جمعية بولودا إظهار طرف واحد بوصفه ضحية، وحذفت الطرف المغربي من الصورة، رغم أن الأزمة خلفت ضحايا مغاربة وأعباء أمنية وإنسانية تحملها المغرب.
نقل الرسالة إلى الملاعب
لم تبق الحملة داخل أوساط رجال الأعمال. انتقلت إلى ملاعب الدوري الإسباني، حيث ارتدى لاعبون قمصانا تحمل شعارها أمام ملايين المتابعين.
وهكذا تحولت مبادرة أطلقتها جمعية اقتصادية إلى أداة ضغط إعلامي ورمزي في قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى المغرب.
وكشف رفض كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي إظهار الشعار حجم الالتباس الذي أحاط بالحملة.
وقال مبابي إنه يتضامن مع سكان سبتة، لكنه يرفض إعطاء الأولوية لمعاناة مجموعة على حساب أخرى، مشيرا إلى المهاجرين الذين يعانون ويفقدون حياتهم.
قدم اللاعب الفرنسي بذلك الرسالة الإنسانية التي غابت عن حملة بولودا، وهي الاعتراف بضحايا الجانبين بدل توظيف معاناة طرف واحد لخدمة سردية وطنية إسبانية.
المغرب شريك عندما يتعلق الأمر بالأرباح
في مقابل هذا الخطاب الانتقائي، تستعمل مجموعة بولودا لغة مختلفة تماما عندما تتحدث عن المغرب.
ففي أبريل 2025، فاز تحالف يضم «Boluda Towage France» و«مرسى ماروك» بعقد تقديم خدمات القطر والمساعدة البحرية داخل ميناء الناظور غرب المتوسط.
يمتد العقد 20 عاما. وتملك شركة بولودا 51 في المئة من رأسمال الشركة المشتركة، مقابل 49 في المئة لمرسى ماروك.
ويشمل المشروع اقتناء أربع قاطرات بحرية باستثمار إجمالي يقارب 45 مليون يورو.
يستفيد بولودا بذلك من مشروع مغربي استراتيجي، ومن عقد طويل الأمد داخل ميناء يمثل أحد أعمدة السياسة المينائية للمملكة.
وحين يتعلق الأمر بالعقود، لا يظهر المغرب في خطاب المجموعة باعتباره مصدرا للأزمات. يظهر سوقا واعدة وشريكا ضروريا لتحقيق الأرباح والتوسع في إفريقيا.
860 مليون درهم من مؤسسة مغربية
لم تتوقف العلاقة عند عقد الناظور. ففي دجنبر 2025، دفعت «مرسى ماروك الدولية للخدمات اللوجستية» 80 مليون يورو، أي نحو 860 مليون درهم، مقابل امتلاك 45 في المئة من «Boluda Maritime Terminals».
احتفظت مجموعة بولودا بنسبة 55 في المئة وبسلطة الإدارة واتخاذ القرارات.
وتدير الشركة تسع محطات مينائية في إسبانيا وجزر الكناري، عالجت أكثر من مليون حاوية خلال سنة 2024.
وصفت مجموعة بولودا الاتفاق بأنه «تحالف استراتيجي»، وتحدثت عن «انسجام واضح» و«طموح مشترك» لتقوية الممر البحري بين المغرب وإسبانيا.
تفضح هذه العبارات تناقض الخطاب. عندما تدخل الأموال المغربية إلى شركاته، يصبح المغرب شريكا منسجما واستراتيجيا. وعندما تتحول سبتة إلى مادة للحشد الإعلامي، يغيب المغرب كشريك، وتحضر رواية إسبانية أحادية.
من يستفيد من الآخر؟
يجب تدقيق الحديث عن «استثمارات بولودا الضخمة في المغرب». فالرقم الأكبر المتاح، وهو 80 مليون يورو، لم يدفعه بولودا داخل المملكة، بل دفعته مؤسسة مغربية لشراء حصة في شركته الإسبانية.
أما استثماره المباشر المرتبط بالمغرب فيوجد ضمن مشروع الناظور غرب المتوسط، حيث يملك 51 في المئة من الشركة صاحبة الترخيص.
هذا يعني أن المصالح الاقتصادية تتحرك في الاتجاهين. المغرب منحه موطئ قدم داخل مشروع مينائي يمتد 20 عاما، و«مرسى ماروك» ضخت 80 مليون يورو في إحدى شركات مجموعته. وأصبح الطرفان يعملان ضمن شبكة تضم 34 محطة في 20 ميناء بين إسبانيا وجزر الكناري وإفريقيا.
انتقائية لا تلغيها المصالح
لا تثبت الوثائق أن بولودا أعلن عداء مباشرا للمغرب. لكنها تثبت أن الجمعية التي يرأسها اعتمدت خطابا انتقائيا تجاه أزمة مرتبطة بالمملكة، ثم دفعت به إلى فضاء رياضي واسع.
كما تثبت أن مجموعته تحقق مصالح طويلة الأمد بفضل شراكتها مع مؤسسة مغربية ومشروع مقام فوق التراب المغربي.
ليس الاعتراض على تضامن بولودا مع سكان سبتة. الاعتراض على تضامن أحادي يتجاهل الضحايا المغاربة، ويتعامل مع المغرب باعتباره شريكا عند توقيع العقود، ثم يحذفه من الرواية الإنسانية عندما يبدأ الحشد الإعلامي.
بولودا مطالب بتفسير هذا التناقض. كما أن «مرسى ماروك» مطالبة بتقييم مواقف شركائها، خصوصا عندما يقود أحدهم حملة تمس قضية سيادية وحساسة لدى المغاربة.
فالشراكة الاقتصادية لا تعني منح أي مستثمر حق الاستفادة من مشاريع المملكة، ثم المشاركة في حملات تقدم المغرب ضمنيا باعتباره مصدر الأزمة.
الوثائق ترسم صورة واضحة: في ميناء الناظور، يحتاج بولودا إلى المغرب لمدة 20 عاما. وفي شركاته الإسبانية، قبل 80 مليون يورو من مؤسسة مغربية. أما في حملة سبتة، فقد اختار رواية تستحضر المصالح الإسبانية وتترك الضحايا المغاربة خارج القميص.

