الدكتور محمد مونشيح
تُمثل تجربة حزب الأصالة والمعاصرة إحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل في تاريخ المغرب السياسي المعاصر؛ إذ كشفت مسيرته الحدود الحرجَة لما يمكن تسميته بـ “الهندسة الحزبية الفوقية”، وأظهرت كيف تحول هذا الكائن من أداة أُريد لها ضبط التوازنات والمشاركة في الحُكم إلى مشروع سيزيفي تُدَوِّرُه الأزمات المتعاقبة والمقاومة المجتمعية.
حين نطالع هذا الكائن المصنوع إدارياً، تحضرني استعارة الباحث محمد الناجي الشديدة التكثيف حول “النبتة الحائطية”؛ تلك التي تخرج من شقوق الجدران بلا جذور ممتدة في التربة الحقيقية للمجتمع، فتقتصر حياتها على الاقتذاء برطوبة الهندسة الإدارية، وتظل حياتها مرهونة بوجود الجدار ذاته. إننا أمام تنظيم ينشأ في الظل، يفتقر إلى النواة الأيديولوجية المتجانسة والتجذر الشعبي، مما يجعله محكوماً بانتفاخ ظاهري سريع، تتبعه انهيارات متكررة عند أول جفاف إداري أو صدمة سياسية وأخلاقية.
وتكتمل هذه الصورة عند تفكيك “الخلطة التأسيسية”، كما يقول الصحافي محمد الريسوني، للمشروع أو خطيئة نشأته؛ إذ بُني الحزب على توليفة نفعية صريحة تجمع بين “السلطة والجاه الانتخابي للأعيان” للهيمنة على الخريطة الإجرائية، وبين “فلول اليسار والمتياسرين” لخوض المعارك السجالية ضد الخصوم. غير أن هذا التحالف النفعي لم ينتج حداثة بنيوية تُعنى بدولة الحق والقانون والملكية البرلمانية، بل أنتج ما يمكن وصفه، حسب نفس الصحافي، بـ “حداثة الشاب خالد”—أي حداثة صورية تكتفي بالبحث عن الخلاص الفردي والامتيازات الشكليّة، بينما تتوارى مذعورة عن خوض المعارك الديمقراطية الحقيقية في الشارع.
إن مأزق هذا المشروع يتجلى بوضوح عند وضع شعاراته التأسيسية على محك الواقع السياسي والاجتماعي:
مواجهة الإسلاميين والارتداد العكسي:
لم تكن شعارات “مواجهة الصعود الإسلاموي” وتفكيك إرث أحزاب الحركة الوطنية سوى مظلة هشة لتبرير النشأة الفوقية. غير أن ما غفل عنه المهندسون هو أن المعارك السياسية لا تُحسم بالإجراءات الفوقية؛ إذ أدى التقاطب الاصطناعي إلى تعبئة مجتمعية غير مسبوقة نفخت في رصيد الخصم (حزب العدالة والتنمية) وزودته بشرعية الصندوق لولايتين متتاليتين. وعندما وضع الحزب أمام اختبار الشارع، كشف عن عجزه الفكري وموقفه العازف عن النزال المباشر، لاجئاً إلى الحيل السلطوية والإبعاد الإداري (كما حدث في ترشيح حماد القباج سنة 2016)، بينما تحول ذوو الماضي اليساري داخل المشروع من أدوات سجال إلى كائنات تائهة عاجزة عن إرث أطروحة حداثية مستقلة.
وهَم المصالحة مع الهامش وتفجر الواقع:
طرح الحزب نفسه كمشروع لمصالحة المجال القروي والهامش التاريخي (الريف نموذجاً) وتأطير النخب الصحراوية. لكن سرعان ما جاء “حراك الريف” (2016-2017) ليعري هشاشة هذه الوساطة، ويكشف عمق الفجوة بين الخطاب الحزبي والمطالب الشعبية بالكرامة والعدالة الاجتماعية. لقد أثبت الحراك أن أغصان النبتة الحائطية العاجزة عن الامتداد لا تتقن سوى الاحتواء الإداري، مثلما فشلت القيادات المتعاقبة في إرساء قناة وساطة موثوقة في الصحراء (أكديم إيزيك) أو الريف، متسببة في تعميق الشكوك حول نجاعة الوساطة المصنوعة.
سقوط شعار التخليق واقتتال الإخوة:
تحول ادعاء ضخ دماء جديدة وتخليق الحياة السياسية إلى نقيضه التام؛ ففتح الأبواب أمام شبكات النفوذ والمال السياسي بغرض التجميع الانتخابي السريع أتاح اغتناءً قياسياً لرموز التنظيم على حساب المرفق العام. ولم يلبث هذا المسار أن تفجر في ملاحقات قضائية شاهقة (كـ “إسكوبار الصحراء”) واقتتال داخلي وتراشق بتهم الفساد والاتجار بالتزكيات الانتخابية، وهو ما وثقته رسالة حكيم بنشماش الشهيرة (“رسالة الأكوادور” يونيو 2019) تحت عنوان “كلنا فاسدون”، كاشفةً آليات اشتغال الوساطات النفعية بوصفها “يداً يسرى” أُنهكت بتكلفة التجاوزات والاغتناء غير المشروع.
الشرعية المشوبة وأغلبية الصناديق:
إن الرهان المستمر على الهامش القروي والضبط الإجرائي قد يتيح هندسة الأغلبية وتجميع المقاعد البرلمانية، لكنه يظل حابساً للحزب في شرعية مشوبة ومحاصرة بفضائح المال والسياسة. وفي بيئة مجتمعية تتجه نحو الانفلات من أدوات التحكم التقليدية بفضل الفضاء الرقمي المتسع، تجد الأغلبيات المصنوعة نفسها مجردة من النواة الصلبة للمشروعية الشعبية والحضرية، وعرضة للفظ الاجتماعي عند أول اختبار أخلاقي.
إن السؤال الجوهري الذي يتجاوز تجربة “البام” ليمس عمق الهندسة السياسية برمتها هو: متى تدرك الدولة أن استراتيجية تفريخ الكيانات الحزبية من نسلها الإداري قد استنفدت وظيفتها ولم تعد ممكنة في الراهن السياسي؟
يتحدد هذا الانسداد عبر تحولات بنيوية لا تخطئها العين:
1. انفلات الشارع التواصلي: حيث جعل الفضاء الرقمي والوعي الشبكي آليات الضبط التقليدية مكشوفة ومحاصرة بأسئلة النزاهة والمشروعية في الوقت الفعلي.
2. تآكل نجاعة التفويض الإداري: إذ لم تعد “اليد اليسرى” قادرة على حجب خيوط اللعبة أو وقاية المركز من التبعات الأخلاقية والسياسية للفشل الحزبي.
3. تحول المطالب المجتمعية: من منطق “الزبونية وقضاء الحوائج” إلى مطالب بنيوية تمس توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية، وهي مطالب تعجز الشبكات النفعية والمحرومة من التجذر الفكري عن استيعابها.
4.عجز الأغلبية الإجرائية: وهو العجز الذي تحاول الهندسة الإدارية ترميمه عبر استقدام وجوه تكنوقراطية خارج الهيكل الحزبي (كما جرى مع استقدام فوزي لقجع)، دون أن ينجح هذا التدوير المستمر في معالجة أصل العطب.
خلاصة
تُثبت تجربة “البام” أن محاولة ابتكار بدائل للتحديث السياسي عبر الهندسة الإدارية وتجميع شبكات النفوذ محكومة بـ “عقدة المنشأ”. فكونه نبتة حائطية تنشأ في الظل ولا تعيش إلا على حافة الجدار السلطوي، تجعله كلما حاول الصعود بـ “صخرة” التحكم نحو القمة، تهاوت الصخرة بفعل فضائح الفساد وضغط الديناميات المجتمعية الحرة.
إن الدرس الأساسي هو أن زمن “صناعة الأحزاب من نسل الإدارة” قد انتهى تاريخياً وسوسيولوجياً. وليست مسألة هذا الحزب مجرد تفصيلٍ في سجال عابر، بل هي مؤشر على وصول نموذج “الضبط بالإعادة والتصنيع” إلى حدوده القصوى؛ مما يجعل الخيار الوحيد القابل للاستدامة هو الانتقال من منطق الاحتواء والتجميع إلى فتح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وإعادة الاعتبار للتجذر المجتمعي، والاستيعاب الخلاق للديناميات الحضرية والشبابية المستقلة.

