أطلق المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني (CSIC) مشروعاً بحثياً يمتد على مدى عامين، يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل اللغوي الرقمي لدراسة الأدب المغربي المكتوب بالعربية الفصحى والدارجة، بهدف فهم كيفية انتقال المعتقدات والرموز الثقافية وتمثلات الهوية عبر النصوص الأدبية والتقاليد الشفوية.
ويحمل المشروع اسم «MoMuLit»، وهو اختصار لعنوان «قراءة الشفرة الثقافية الإسلامية: دراسة حالة الأدب المغربي»، ويشرف عليه معهد لغات وثقافات البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى، التابع للمجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني، بتمويل من الوكالة الحكومية الإسبانية للأبحاث.
وبحسب الوثائق الرسمية للمشروع، الذي انطلق في فاتح أبريل 2026 ويستمر إلى غاية 31 مارس 2028، رصدت السلطات الإسبانية تمويلاً بقيمة 192 ألفاً و303 يورو لإنجاز هذا البحث، ضمن برنامج دعم المشاريع الرامية إلى ترسيخ المسارات العلمية للباحثين.
وتقود المشروع الباحثة سارالي غينتسبورغ، المتخصصة في الأدب العربي والتقاليد الشفوية المغربية، بمشاركة الباحث عمر كمالي، الخبير في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية، والمرتبط بمختبر «Omneity Labs».
ويستهدف البحث تحليل مجموعة واسعة من النصوص الأدبية المغربية، تشمل ثلاثة أصناف رئيسية، هي الشعر المكتوب، ولا سيما الزجل المعاصر، والتقاليد الشفوية غير المنسوبة إلى مؤلفين محددين، ثم السرد الروائي والقصصي المعاصر.
ويركز الباحثون على دراسة العلاقة بين اللغة والموروث الديني والهوية الثقافية، من خلال تتبع المفردات والصور التعبيرية والرموز التي تتكرر في الأعمال الأدبية، وتحليل كيفية حضورها في النصوص المنتمية إلى مراحل وأشكال أدبية مختلفة.
ويعتمد المشروع مقاربة تجمع بين الدراسات الأدبية التقليدية وتقنيات الإنسانيات الرقمية، عبر الاستعانة بمنصتين متخصصتين في التحليل اللغوي.
وتتمثل الأداة الأولى في برنامج «Sketch Engine»، الذي يسمح بمعالجة مجموعات كبيرة من النصوص ورصد أنماط استعمال الكلمات والعلاقات بينها، بينما تتمثل الثانية في برنامج «Sawalni»، المصمم لمعالجة العربية المغربية المكتوبة والمنطوقة بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويتيح الجمع بين الأداتين دراسة أنماط التعبير والاختلافات اللغوية بين النصوص المكتوبة بالفصحى والإنتاجات الأدبية بالدارجة، مع إخضاع النتائج للقراءة النقدية والتفسير الأدبي من طرف الباحثين.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التراث الأدبي المغربي، الذي يجمع بين مؤلفات مكتوبة وتقاليد شفوية، من بينها الزجل والحكايات الشعبية وأشكال التعبير المتوارثة عبر الأجيال.
ويرى القائمون على المشروع أن الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالفكر الديني في المجتمعات الإسلامية ركزت تاريخياً على المؤلفات العقدية والفقهية، بينما لم تحظ النصوص الأدبية دائماً بالاهتمام نفسه بوصفها وسيلة للتعبير عن التصورات الدينية والثقافية.
وينطلق البحث من فرضية مفادها أن الشعر والرواية والأدب الشفوي لا تعكس فقط الحياة الاجتماعية، وإنما تساهم كذلك في تداول المعرفة الدينية وإعادة تفسير الرموز الثقافية داخل المجتمع.
ويهدف المشروع إلى تحديد كيفية حضور هذه الرموز في الأدب المغربي، ورصد أوجه الاستمرار والاختلاف بين الأجناس الأدبية والحقب التاريخية، دون التعامل مع الهوية الثقافية باعتبارها معطى ثابتاً أو موحداً.
وفي إطار الأنشطة المرتبطة بالمشروع، احتضن مركز العلوم الإنسانية والاجتماعية التابع للمجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني، يوم 16 شتنبر الماضي، ندوة علمية قدمها الباحث عمر كمالي تحت عنوان «عندما تفشل الكلمات المفتاحية: مقاربة عصبية للمجموعات النصية الأدبية العربية».
وتناولت الندوة إمكانات تقنيات المعالجة العصبية للغة في تحليل النصوص العربية، خصوصاً عندما تعجز أدوات البحث التقليدية المعتمدة على الكلمات المفتاحية عن التعرف على العلاقات الدلالية والأساليب التعبيرية.
ويأمل الفريق البحثي أن تساهم النتائج المنتظرة في تطوير منهجية قابلة للتطبيق على آداب مجتمعات عربية وإسلامية أخرى، من خلال الجمع بين علم اللغة والدراسات الإسلامية والأدب المقارن والذكاء الاصطناعي.
كما يسعى المشروع إلى توسيع نطاق دراسة النصوص المكتوبة بالدارجة المغربية، وهي مادة يطرح تحليلها آلياً تحديات تتعلق بتعدد طرق الكتابة والاختلافات المعجمية وطبيعة التعبيرات الشفوية.
ولم يعلن الفريق حتى الآن نتائج نهائية بشأن تطور الهوية الثقافية المغربية، إذ لا يزال المشروع في مرحلة الإنجاز، وتحدد وثائقه أهداف البحث ومنهجيته العلمية أكثر مما تقدم استنتاجات مكتملة.
ويعكس المشروع اهتماماً بحثياً إسبانياً متزايداً بالأدب المغربي بوصفه مادة لدراسة العلاقة بين اللغة والدين والذاكرة الثقافية، في سياق توسع توظيف الذكاء الاصطناعي في العلوم الإنسانية وتحليل التراث الأدبي.

