وطن 24 من الرباط
كشف فريق دولي من علماء الآثار عن بقايا منشأة دفاعية يعود تاريخها إلى ما بين 3500 و4000 سنة في موقع “واد بهت” بإقليم الخميسات.
ويعد هذا الاكتشاف أقدم دليل معروف على وجود تحصينات دفاعية واسعة النطاق في شمال أفريقيا خارج وادي النيل، مما يقدم قراءة جديدة لتاريخ المنطقة قبل وصول الفينيقيين.
وأظهرت نتائج البحث، التي نُشرت في بالمجلة العلمية البريطانية “دراسات ليبية” (Libyan Studies) التابعة لجامعة كامبريدج، أن سكان المنطقة شيدوا نظاماً دفاعياً يتكون من خندق وساتر ترابي وجدار، وذلك خلال الفترة الممتدة بين بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد.
وجاء هذا الاكتشاف ثمرة أعمال تنقيب أجريت عام 2023 بمشاركة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، وجامعة كامبريدج البريطانية، والمجلس الوطني للبحوث العلمية الإيطالي.
واعتمد الفريق على 17 عملية تأريخ بتقنية الكربون المشع لعينات عضوية من أجل إعادة تركيب التسلسل الزمني للموقع.
ورغم أن عالم الآثار الفرنسي أرمان رولمان وثق وجود جدران محتملة في الموقع خلال ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن طبيعتها وتاريخها ظلا مجهولين لنحو تسعة عقود.
وأقيمت التحصينات فوق مرتفع طبيعي يفصل بين مجرى واد ومنحدر، واستدعت تعبئة يد عاملة وتخطيطاً مسبقاً يعكس مستوى متطوراً من التنظيم الاجتماعي.
ونقلت الدراسة عن المشرف المشارك في المشروع، عالم الآثار الإيطالي جوليو لوكاريني، قوله إن النتائج تبرز قدرة مجتمعات شمال غرب المغرب خلال الألفية الثانية قبل الميلاد على تصور وإنجاز منشآت جماعية كبرى لم يسبق توثيق مثيل لها في المنطقة خلال تلك الحقبة.
ويكتسب الموقع، الذي يمتد على مساحة 10 هكتارات، أهمية مضاعفة بالنظر إلى مكتشفات سابقة أثبتت وجود تجمع زراعي كبير يعود إلى ما بين 4900 و5400 سنة (العصر الحجري الحديث المتأخر).
وضمت الآثار بقايا قمح وشعير وأدوات حجرية وأواني فخارية، ما يجعله موقعاً أساسياً لدراسة ظهور المجتمعات الزراعية المنظمة في شمال غرب أفريقيا.
ويرجح الباحثون أن بناء التحصينات جاء نتيجة تزايد المنافسة على الأراضي والموارد، أو للتحكم في المسالك. وتفتح هذه النتائج باب المقارنة مع المستوطنات المحصنة في العصر البرونزي بشبه الجزيرة الإيبيرية (جنوب إسبانيا)، مما يدعم فرضية وجود تفاعلات واسعة بين مجتمعات ضفتي المتوسط، ويتجاوز التصورات التي اعتبرت شمال أفريقيا مجرد هامش للتطورات الأوروبية.
وإلى جانب فترات ما قبل التاريخ، كشفت التنقيبات عن دلائل لإعادة استخدام الموقع خلال القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الميلادية، حيث تم تدعيم أجزاء من النظام الدفاعي القديم بالحجارة، مع العثور على آثار تجمع سكني ومقبرة.
ويؤكد الفريق الدولي أن هذه المعطيات مجتمعة تراجع التصورات التاريخية السابقة، وتثبت وجود مجتمعات محلية قادرة على تطوير الزراعة والصناعة وإنجاز مشاريع عمرانية ضخمة بقرون طويلة قبل الحقبتين الفينيقية والرومانية.

