يواجه المغرب مرحلة حاسمة في مسار تحوله الاقتصادي والاجتماعي، خلال السنوات الخمس المقبلة، وسط تحديات تتعلق بتسريع النمو الاقتصادي، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتوسيع الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 وتطورات ملف الصحراء.
وسلطت مجلة Jeune Afrique، في تقرير نشرته الاثنين بعنوان «المغرب: خمس سنوات لتغيير كل شيء»، الضوء على حجم الأوراش الكبرى التي تنتظر المملكة، معتبرة أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة السياسات العمومية على الجمع بين التقدم الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
وأشار التقرير، بحسب ملخصه المنشور، إلى أن الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر حدد التوجهات الأساسية لهذه المرحلة، من خلال مواصلة مسار الصعود الاقتصادي للمغرب، مع توسيع استفادة مختلف فئات المجتمع والمناطق من ثماره.
وتطرح هذه المقاربة تحدياً رئيسياً يتمثل في الانتقال من منطق الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى إلى ضمان انعكاس النمو على الحياة اليومية للمواطنين، سواء عبر فرص الشغل أو تحسين جودة الخدمات العمومية وتقليص التفاوتات الاجتماعية.
ويأتي هذا النقاش في سياق شهد فيه المغرب خلال السنوات الماضية استثمارات مهمة في قطاعات الصناعة والنقل والطاقة والخدمات اللوجستية، ساهمت في تعزيز مكانته الاقتصادية، لكنها تطرح في المقابل سؤال التوزيع الترابي لمكاسب التنمية ومدى استفادة المناطق الأقل حظاً من دينامية الاستثمار.
ويبرز ورش الدولة الاجتماعية ضمن الرهانات الأساسية لهذه المرحلة، بما يشمله من تعميم الحماية الاجتماعية وتطوير منظومتي التعليم والصحة وتحسين آليات الدعم، في وقت تتزايد فيه الانتظارات بشأن جودة الخدمات العمومية والقدرة الشرائية للأسر.
أما على المستوى الترابي، فيطرح تقليص الفجوات التنموية بين المدن الكبرى والمجالات القروية تحدياً موازياً، خصوصاً أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يرتبط فقط بمعدلات النمو الوطنية، وإنما كذلك بمدى قدرتها على تحسين الظروف المعيشية في مختلف جهات المملكة.
ويضاف إلى ذلك رهان تنظيم كأس العالم 2030، الذي يشكل فرصة لتسريع إنجاز مشاريع النقل والبنيات الرياضية والسياحية، لكنه يثير أيضاً تساؤلات بشأن استدامة الاستثمارات وحجم المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي ستستفيد منها المدن والمناطق المستضيفة.
وفي البعد السياسي والدبلوماسي، يظل ملف الصحراء أحد أبرز الملفات الاستراتيجية التي تؤثر في توجهات السياسة الخارجية للمغرب وعلاقاته الدولية، بالتوازي مع سعي المملكة إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية وتوسيع حضورها الإفريقي والدولي.
وتكتسي السنوات الخمس المقبلة، وفق الإطار العام الذي يطرحه التقرير، أهمية خاصة بالنظر إلى تزامن عدد من الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية والرياضية، بما يجعل التنسيق بين السياسات الحكومية والبرامج الترابية عاملاً حاسماً في تحقيق النتائج المنتظرة.
وتبرز جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في هذا السياق، نموذجاً للتحولات التي يعيشها الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى ما راكمته من استثمارات صناعية ولوجستية، خصوصاً حول ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية، مقابل استمرار تحديات التشغيل والسكن والخدمات والتفاوتات بين المجالات الحضرية والقروية.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً يتجاوز حجم المشاريع المنجزة إلى طبيعة أثرها الاجتماعي: إلى أي حد يمكن تحويل المكاسب الصناعية والاستثمارية إلى تحسين مستدام لمستويات العيش وخلق فرص اقتصادية أوسع لفائدة السكان؟
وبين طموح تعزيز موقعه الاقتصادي على الصعيد الدولي والحاجة إلى الاستجابة للانتظارات الاجتماعية المتزايدة، يدخل المغرب مرحلة تتطلب تحقيق التوازن بين سرعة تنفيذ المشاريع الكبرى وفعالية السياسات الاجتماعية.

