وطن 24 من الرباط
أعربت الجزائر، السبت، عن أسفها لعدم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو”، بعد إخفاق محاولتين متعارضتين داخل مجلس الأمن الدولي، إحداهما أمريكية حظيت بتأييد 11 عضوا وجعلت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا وحيدا للمفاوضات، والثانية روسية سعت للإبقاء على البعثة بصيغتها القديمة، لكنها لم تحصل سوى على 3 أصوات مؤيدة.
وحملت وزارة الخارجية الجزائرية مشروع القرار الأمريكي مسؤولية النتيجة التي انتهت إليها جلسة مجلس الأمن، معتبرة أنه انحاز بصورة مفرطة للمغرب على حساب جبهة البوليساريو، دون أن يتضمن بيانها إشارة إلى الفيتو الروسي الذي حال دون اعتماد المشروع، أو إلى إخفاق المقترح البديل الذي قدمته موسكو لتمديد ولاية البعثة لمدة عام دون تعديل مهامها.
ويبرز هذا الموقف مفارقة في التعامل الجزائري مع نتائج التصويت، إذ انتهت الجلسة التي شهدت تعطيل المشروع الأمريكي إلى عدم تجديد ولاية البعثة التي تتمسك الجزائر باستمرارها، في وقت اعتبرت فيه الرباط عدم التمديد تطورا مهما في مسار إنهاء النزاع داخل الأمم المتحدة.
مفارقة التصويت
وقالت الخارجية الجزائرية، في بيان ، إن وزيرها أحمد عطاف وجه رسائل رسمية إلى أعضاء مجلس الأمن قبل التصويت، حذرهم فيها من التداعيات التي قد تترتب على اعتماد المشروع الأمريكي، خصوصا ما اعتبرته الجزائر محاولة لإضفاء الشرعية على السيادة المغربية على الصحراء.
غير أن نتائج التصويت أظهرت اختلافا بين التحذيرات الجزائرية وموازين الدعم داخل مجلس الأمن، بعدما أيدت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وثماني دول أخرى المشروع الأمريكي، فيما استخدمت روسيا حق النقض، وامتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت.
أما المشروع الروسي، الذي اقترح تمديد ولاية “المينورسو” إلى 31 أكتوبر 2027 دون تغيير اسمها أو اختصاصاتها، فلم يحظ سوى بتأييد 3 دول، مقابل اعتراض الولايات المتحدة وامتناع 11 عضوا، وهو ما حال دون اعتماده حتى بمعزل عن الاعتراض الأمريكي، بالنظر إلى اشتراط حصول أي مشروع على 9 أصوات مؤيدة على الأقل.
وكانت واشنطن تسعى، من خلال مشروعها، إلى تجاوز صيغة البعثة التي تأسست سنة 1991 للإشراف على وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء تقرير المصير، عبر حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها، وتقليص مكونها العسكري، وربط العملية السياسية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الاستفتاء الذي ارتبطت به تسمية البعثة لم ينظم طوال 35 سنة، بسبب الخلافات حول تحديد الهيئة الناخبة، فيما اعتبر السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، عقب التصويت، أن التمسك بالإشارة إلى الاستفتاء لا ينسجم مع واقع العملية الأممية خلال العقود الماضية.
الموقف المغربي
وجاء البيان الجزائري بعد ساعات من إعلان الديوان الملكي المغربي أن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يشكل تطورا مهما وخطوة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة.
واعتبر الديوان الملكي أن انتهاء ولاية البعثة يستدعي مغادرة طواقمها ومركباتها ومعداتها للأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة، مع الدعوة إلى إنهاء الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن المخصصة لهذا الملف، وسحبه من جدول أعمال المجلس.
كما أكد البلاغ استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار واحترام سلامة أراضيه وأمنه الوطني، مشيرا إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة يؤيدون، وفق التقدير المغربي الرسمي، مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ويمثل هذا الموقف تحولا في المقاربة التي تعلنها الرباط تجاه الوجود الأممي بالصحراء، بعدما انتقلت من التعامل مع بعثة “المينورسو” باعتبارها إحدى آليات تدبير النزاع إلى المطالبة بإنهاء وجودها، على خلفية عدم تجديد ولايتها.
ولا يعني عدم التمديد، من الناحية الإجرائية، صدور قرار جديد من مجلس الأمن بإغلاق ملف الصحراء، إذ يظل إنهاء نظر المجلس في القضية مسألة منفصلة عن انتهاء ولاية البعثة. لكن المغرب يتعامل مع التطور باعتباره مناسبة لإعادة تحديد إطار تعاطيه مع المسار الأممي.
خلاف يتجاوز البعثة
ويكشف البيان الجزائري أن الخلاف لم يعد مقتصرا على تجديد ولاية “المينورسو”، بل امتد إلى المرجعية السياسية التي ينبغي اعتمادها في أي مفاوضات مقبلة.
فقد انتقدت الجزائر حصر المفاوضات في مبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرة أن هذا التوجه يقيد الخيارات المتاحة أمام البوليساريو، ويحول دون طرح مقترحات أخرى، بينما تنظر الرباط إلى الحكم الذاتي باعتباره الإطار الواقعي لإنهاء النزاع.
وكان مجلس الأمن قد اعتمد في 31 أكتوبر 2025 القرار رقم 2797، الذي عزز موقع المبادرة المغربية في العملية السياسية، ودعا إلى إجراء مفاوضات على أساسها. أما مشروع أكتوبر 2026، فقد سعى إلى الذهاب أبعد من ذلك، عبر جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المرجعية الحصرية للتفاوض.
ولم تتحول هذه الصيغة الجديدة إلى قرار أممي بسبب الفيتو الروسي، غير أن حصولها على تأييد 11 عضوا يعكس حجم المساندة التي تحظى بها داخل المجلس، مقابل محدودية التأييد الذي حصل عليه مشروع الإبقاء على ولاية البعثة دون تعديل.
وفي مقابل التشبث الجزائري بالاستفتاء، أكد الديوان الملكي المغربي أن الدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي، في إشارة إلى مواصلة حشد الاعتراف والدعم الدوليين لمبادرة الحكم الذاتي.
وهكذا، ينتهي الموقف الجزائري المعلن إلى الاعتراض على مشروع أمريكي لم يعتمد، مع الإقرار في الوقت نفسه بخسارة تمديد ولاية بعثة أممية دافعت الجزائر عن استمرارها، بينما تتجه الرباط إلى التعامل مع عدم التجديد باعتباره نهاية مرحلة استمرت منذ سنة 1991، وبداية مسار جديد يرتكز على السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.

