أثارت صفقة دخول شركة «مرسى ماروك» المغربية إلى رأسمال مجموعة «بولودا» الإسبانية موجة من التحفظات داخل جزر الكناري، في ظل تصاعد النقاش بشأن تداعيات توسع الاستثمارات المغربية في قطاع الموانئ الإسباني، وما قد يحمله ذلك من أبعاد اقتصادية واستراتيجية في منطقة الأطلسي.
وتتجاوز هذه العملية، التي أعلنت في دجنبر 2025، حدود الشراكة التجارية بين مجموعتين متخصصتين في الخدمات اللوجستية، لتفتح نقاشا سياسيا وأمنيا في إسبانيا بشأن تنامي الحضور المغربي في البنيات التحتية المينائية القريبة من السواحل المغربية.
وبموجب الاتفاق، تستحوذ شركة «مرسى ماروك إنترناشيونال لوجيستيكس» على 45 في المائة من رأسمال وحقوق التصويت في شركة «بولودا ماريتايم تيرمينالز»، مقابل 80 مليون يورو، فيما تحتفظ مجموعة «بولودا» بالحصة الأكبر، البالغة 55 في المائة، وتواصل الإشراف على إدارة المحطات المينائية.
وتشمل الصفقة شبكة تضم تسع محطات في إسبانيا وجزر الكناري، تعاملت خلال سنة 2024 مع أكثر من مليون حاوية، ما يمنح الشركة المغربية موطئ قدم في قطاع الخدمات المينائية الإسباني، ويعزز امتدادها داخل الفضاء الأطلسي.
غير أن الاتفاق لم يحصل بعد على الموافقة النهائية للسلطات الإسبانية، رغم مصادقة المغرب عليه بموجب مرسوم صدر في شتنبر 2026، إذ يخضع حاليا لمسطرة مراجعة الاستثمارات الأجنبية في إسبانيا، بالنظر إلى طبيعة الأصول المعنية وحساسيتها الاستراتيجية.
وتشارك في هذه المراجعة مؤسسات حكومية وأمنية إسبانية، من بينها وزارة الاقتصاد والدفاع ومركز الاستخبارات الوطني، إلى جانب هيئات معنية بالأمن القومي، قبل إحالة الملف على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار النهائي بشأنه.
وفي جزر الكناري، برزت تحفظات متزايدة على الصفقة، بعدما رفع رئيس مجلس غران كناريا، أنطونيو موراليس، مستوى التحذير من تنامي الحضور المغربي في المجال المينائي، رابطا هذه التطورات أيضا بمشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعزز طموحات المغرب في تطوير موقعه ضمن شبكات النقل والتجارة البحرية الدولية.
في المقابل، تدافع مجموعة «بولودا» عن الاتفاق، مؤكدة أنه يتعلق بشراكة استثمارية لا تمنح الطرف المغربي السيطرة على المحطات المينائية، بالنظر إلى احتفاظ المجموعة الإسبانية بالأغلبية ومواصلة إدارتها للمنشآت المعنية. كما لوحت باللجوء إلى القضاء في حال استمرار الاعتراضات على الصفقة.
وتضع هذه التطورات السلطات الإسبانية أمام معادلة تجمع بين تشجيع الاستثمارات الأجنبية وحماية البنيات التحتية التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، خصوصا في منطقة جزر الكناري، التي تكتسب موقعا جغرافيا حساسا ضمن الممرات البحرية في المحيط الأطلسي.
كما تعكس القضية تداخلا متزايدا بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ لم يعد توسع الشركات المغربية في القطاعات الاستراتيجية خارج المملكة ينظر إليه من زاوية تجارية محضة، بل بات يثير نقاشا بشأن موازين النفوذ الاقتصادي واللوجستي في المنطقة.
وبينما تنتظر الصفقة الضوء الأخضر النهائي من مدريد، يظل مستقبلها مرتبطا بنتائج المراجعة الإسبانية، في اختبار جديد لقدرة الاستثمارات المغربية على توسيع حضورها في الأسواق الأوروبية، وسط تباين المواقف بشأن حدود الشراكة الاقتصادية عندما يتعلق الأمر بالبنيات التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية.

