في عمق الصحراء، حيث تمتد الرمال إلى مسافات بعيدة وتختفي الطرق أحياناً خلف الأفق، ظلت السيارات البيضاء التي تحمل شعار الأمم المتحدة تجوب المسالك الصحراوية لأكثر من ثلاثة عقود.
كانت دوريات المراقبين العسكريين تنطلق من مواقع ميدانية معزولة، وتعبر طرقاً طويلة بين الرمال والصخور، قبل أن تعود محملة بملاحظات وتقارير عن التحركات العسكرية وحوادث إطلاق النار والتوترات بين أطراف النزاع.
لم تكن تلك السيارات مجرد وسيلة نقل، بل تحولت على مر السنين إلى أحد أبرز الرموز المرئية لحضور الأمم المتحدة في الصحراء؛ لكن المشهد الذي بدأ في شتنبر 1991 دخل اليوم مرحلته الأخيرة.
فبعد 35 عاماً من الحضور الأممي، انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية، المعروفة باسم «المينورسو»، إثر فشل مجلس الأمن في تمديد مهامها يوم 30 أكتوبر 2026، لتبدأ المنظمة الدولية عملية تصفية واحدة من أطول بعثاتها لحفظ السلام.
وجاء التطور الجديد متزامناً مع إعلان المغرب انتقاله إلى مرحلة مختلفة في تدبير ملف الصحراء، بعدما ترأس الملك محمد السادس، الأربعاء 4 نونبر 2026، جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، أصدر خلالها تعليماته بمواكبة عملية تصفية البعثة وانسحابها، عبر مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية.
وبين أول دورية والاستعداد للرحيل، تمتد حكاية سياسية وإنسانية وعسكرية، تختزل عقوداً من المفاوضات المتعثرة، والتحولات الدبلوماسية، والصراع حول مستقبل منطقة ظلت في قلب الاهتمام الدولي.
1991.. عندما وصلت القبعات الزرقاء إلى الصحراء
بدأت القصة رسمياً في 29 أبريل 1991، عندما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 690، القاضي بإنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء.
وجاء القرار تتويجاً لمسار تفاوضي انطلق خلال الثمانينيات برعاية الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وأسفر عن قبول المغرب وجبهة البوليساريو مقترحات للتسوية سنة 1988.
كانت المهمة الأصلية تقوم على مراقبة وقف إطلاق النار، والتحضير لتنظيم استفتاء يحدد الوضع النهائي للإقليم، وفق الخيارات الواردة في خطة التسوية.
وفي السادس من شتنبر 1991، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وبدأت البعثة انتشارها الميداني، مع اتخاذ مدينة العيون مقراً رئيسياً لأنشطتها.
وكان من المقرر تنظيم الاستفتاء في يناير 1992، غير أن الخلافات المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة ومعايير المشاركة حالت دون احترام الجدول الزمني.
وهكذا بدأ أول تعثر في مسار بدا عند انطلاقه محدوداً زمنياً، لكنه تحول تدريجياً إلى مهمة طويلة الأمد.
استفتاء مؤجل.. عندما اصطدمت التسوية بالخلافات
منذ سنواتها الأولى، واجهت المينورسو صعوبات تتعلق بتحديد الأشخاص المؤهلين للمشاركة في الاستفتاء.
وفي غشت 1994، شرعت لجنة تحديد الهوية في مباشرة عمليات موسعة، قبل أن تتوقف العملية في ماي 1996 بسبب استمرار الخلافات الإجرائية والسياسية.
ورغم استئناف العمل لاحقاً، بقيت مسألة الهيئة الناخبة عقبة رئيسية.
وفي يوليوز 1999، أعلنت اللجنة قائمة مؤقتة تضم 84 ألفاً و251 شخصاً اعتبرتهم مؤهلين للتصويت، من بين 147 ألفاً و249 شخصاً جرى فحص ملفاتهم ضمن المرحلة المعنية.
لكن الإعلان أعقبته نحو 79 ألف عملية طعن، ما أبرز حجم التعقيدات التي واجهت تنفيذ الاستفتاء.
وفي سنة 2004، أُنجز الإغلاق الإداري لأعمال لجنة تحديد الهوية ونُقلت وثائقها إلى جنيف، دون أن يؤدي ذلك إلى تنظيم الاقتراع.
وخلال تلك المرحلة، حاولت الأمم المتحدة الدفع بمقترحات سياسية بديلة، بينها المبادرات التي قدمها المبعوث الأممي جيمس بيكر، غير أن الخلافات بين الأطراف حالت دون الوصول إلى تسوية نهائية.
حياة المراقبين.. عزلة الصحراء ومخاطر الدوريات
بعيداً عن قاعات مجلس الأمن واللقاءات الدبلوماسية، عاش المراقبون الأمميون واقعاً ميدانياً مختلفاً.
كانت مهامهم تتم في منطقة شاسعة، تتطلب التنقل عبر مسافات طويلة، وسط ظروف مناخية قاسية ومخاطر أمنية مرتبطة بالألغام ومخلفات الحرب.
واعتمدت البعثة على فرق متعددة الجنسيات، تنطلق من مواقع ميدانية موزعة غرب الجدار الرملي وشرقه، لمراقبة التطورات العسكرية والتحقق من البلاغات المرتبطة بالحوادث والتوترات.
ولم تكن مهمة المراقبين تتمثل في التدخل العسكري المباشر، بل في جمع المعلومات والتحقق منها وتوثيقها ونقلها عبر التسلسل الإداري الأممي.
وقد فرضت الطبيعة الجغرافية للصحراء تحديات لوجستية متواصلة، شملت توفير المياه والوقود والاتصالات والخدمات الصحية وتأمين الطرق.
وتعكس هذه التفاصيل جانباً أقل ظهوراً من تاريخ المينورسو؛ فخلف القرارات السياسية، كانت هناك منظومة يومية من المراقبة والنقل والإمداد والعمل داخل مواقع معزولة.
وعند انتهاء ولايتها، كانت البعثة تتوفر على تسعة مواقع ميدانية، أربعة غرب الجدار الرملي وخمسة شرقه، إضافة إلى مقر رئيسي بالعيون ومكتب اتصال بتندوف.
الألغام.. الإرث الصامت للحرب
لم يقتصر عمل المينورسو على مراقبة التحركات العسكرية؛ فقد شكلت الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة أحد أبرز التهديدات المستمرة في المنطقة، بالنظر إلى آثار المواجهات المسلحة التي سبقت وقف إطلاق النار سنة 1991.
ومنذ سنة 2008، ساهمت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في تنفيذ برامج مسح وإزالة للمخلفات المتفجرة، وتأمين الطرق التي تستخدمها الدوريات الأممية والسكان المحليون.
ووفق حصيلة أممية منشورة في دجنبر 2025، ساهمت هذه العمليات في معالجة أكثر من 84 مليون متر مربع من المناطق الخطرة، وإزالة وتدمير مئات الألغام وآلاف الذخائر المتفجرة.
كما استفاد أكثر من 54 ألف شخص من السكان المحليين والرحل من برامج التوعية بمخاطر المتفجرات، إلى جانب تقديم المساعدة لضحايا الألغام وأسرهم.
ومع انتهاء ولاية البعثة، يبرز سؤال بشأن مستقبل أعمال إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها، وهي أنشطة لا تختفي الحاجة إليها بمجرد انتهاء المهمة العسكرية الأممية.
عائلات فرقتها سنوات النزاع
كان للمينورسو أيضاً دور في دعم برامج إنسانية هدفت إلى تسهيل التواصل بين العائلات الصحراوية المقيمة في المنطقة وتلك الموجودة بمخيمات تندوف.
فبالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قدمت البعثة دعماً لوجستياً وتقنياً لبرامج تبادل الزيارات العائلية والاتصالات الهاتفية.
وبحسب معطيات تاريخية للأمم المتحدة، استفاد نحو 3200 شخص من برنامج تبادل الزيارات بين انطلاقه سنة 2004 ومارس 2007، كما سُجلت حوالي 66 ألف مكالمة عبر نظام الاتصالات المخصص لهذا الغرض بين يناير 2005 ومارس 2007.
وكانت هذه الزيارات تتيح لأفراد بعض العائلات لقاء أقارب لم يروهم منذ عقود.
وبينما ظلت المفاوضات السياسية متعثرة، شكلت تلك اللقاءات محاولات محدودة لمعالجة جانب من التبعات الإنسانية للنزاع.
2007.. الحكم الذاتي يغير مسار النقاش
في أبريل 2007، قدم المغرب مبادرته للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بوصفها مقترحاً للتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.
ومنذ ذلك الحين، أصبح المقترح حاضراً بصورة متزايدة في النقاشات الدولية والقرارات الأممية.
وفي المقابل، واصلت جبهة البوليساريو المطالبة بتقرير المصير، مع التمسك بخيار الاستقلال.
وشهدت السنوات اللاحقة جولات من المفاوضات الرسمية وغير الرسمية، دون أن تنتهي إلى اتفاق نهائي.
وفي قراءة لهذه التحولات، يرى الكاتب والمحلل البراق شادي عبد السلام أن الرباط انتقلت من منطق «دبلوماسية التوازن» إلى مرحلة أكثر مبادرة في إدارة الملف.
ويعتبر الكاتب أن تراكم المواقف الدولية المؤيدة لمقترح الحكم الذاتي، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية، منحا المغرب قدرة أكبر على التأثير في مسار النقاش الدولي.
وتعكس هذه القراءة تصوراً استراتيجياً لتطور السياسة المغربية، مع بقاء التسوية النهائية للنزاع موضوع خلاف بين الأطراف المعنية.
2016 و2020.. سنوات التوتر
لم تكن العلاقة بين المينورسو والمغرب خالية من الأزمات؛ ففي مارس 2016، شهدت العلاقات بين الرباط والأمانة العامة للأمم المتحدة توتراً أدى إلى تقليص كبير للمكون المدني الدولي للبعثة.
وأثر ذلك على عدد من وظائفها التشغيلية، قبل أن تستمر الاتصالات بشأن استعادة قدراتها.
لكن التطور الأكثر خطورة جاء في نونبر 2020، عقب أحداث منطقة الكركرات، عندما أعلنت جبهة البوليساريو انسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار واستئناف العمل المسلح.
وأدخل هذا التطور البعثة في ظروف أمنية أكثر تعقيداً، بعدما ظل وقف إطلاق النار الذي بدأ سنة 1991 قائماً في مجمله لما يقارب ثلاثة عقود.
ومنذ ذلك الحين، واصلت المينورسو متابعة الحوادث العسكرية وتوثيق التطورات الميدانية، رغم التحديات المرتبطة بحرية الحركة والأمن والقدرة على التحقق من بعض الوقائع.
2025.. بداية التحول داخل مجلس الأمن
في 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي مدد ولاية المينورسو إلى نهاية أكتوبر 2026.
لكن أهمية القرار لم تقتصر على التمديد، إذ دعم إجراء مفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التأكيد على التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
كما اعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر النتائج قابلية للتحقق.
وطلب المجلس من الأمين العام إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة، في ضوء تطورات المفاوضات والواقع الميداني.
وبذلك، أصبح مستقبل المينورسو نفسه جزءاً من النقاش الدولي حول فعالية آليات إدارة النزاع.
30 أكتوبر 2026.. الفيتو الذي أنهى التمديد
في جلسة حاسمة عقدها مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار لتعديل مهمة البعثة وتمديد ولايتها.
وحصل المشروع على تأييد 11 عضواً، لكنه سقط بعد استخدام روسيا حق النقض (الفيتو).
وفي المقابل، لم يحصل مشروع روسي بديل، يقترح تمديد الولاية سنة إضافية، على الأصوات اللازمة لاعتماده.
وهكذا، انتهت ولاية البعثة في 31 أكتوبر، بعدما عجز المجلس عن التوافق على مستقبلها.
وبررت موسكو موقفها برفض ما اعتبرته محاولة لفرض حل أحادي الجانب، بينما انتقدت واشنطن استمرار التتمسك بمهمة لم تتمكن من تحقيق هدفها الأصلي طوال 35 عاماً.
أما في المغرب، فقد اكتسبت نتيجة التصويت دلالة سياسية مختلفة؛ فقد اعتبر بلاغ للديوان الملكي صدر يوم 30 أكتوبر أن عدم تمديد ولاية المينورسو يمثل تطوراً مهماً في اتجاه طي ملف الصحراء على مستوى الأمم المتحدة.
وفي تحليله، يرى البراق شادي عبد السلام أن المغرب تعامل مع الفيتو الروسي باعتباره فرصة لإعادة تشكيل المعادلة الدبلوماسية، بدلاً من الاكتفاء باعتباره عائقاً أمام مشروع القرار الأمريكي.
وبحسب هذه القراءة، فإن التحول يعكس انتقال الرباط من إدارة تداعيات القرارات الدولية إلى محاولة التأثير في محددات المرحلة المقبلة.
غير أن انتهاء ولاية البعثة لا يعني، من الناحية القانونية، أن مجلس الأمن اعتمد قراراً جديداً بشأن الوضع النهائي للإقليم، أو أن الملف شُطب رسمياً من جدول أعمال الأمم المتحدة.
من نيويورك إلى الرباط.. التعليمات الملكية
في الرابع من نونبر 2026، وبعد أيام من انتهاء الولاية، ترأس الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط جلسة عمل خُصصت لمتابعة مرحلة ما بعد المينورسو.
وحضر الاجتماع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
وخلال الجلسة، أكد الملك أولوية احترام الوحدة الترابية للمملكة وأمنها الوطني وسلامة مواطنيها، خصوصاً سكان الأقاليم الجنوبية.
كما شدد على ضمان استمرار البرامج التنموية والمشاريع الكبرى بالمنطقة، ومواكبة مختلف التطورات المرتبطة بالملف.
وأصدر تعليماته بأن يتولى مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، مهام التنسيق والمواكبة لعملية تصفية البعثة وانسحابها، بالتعاون مع الأمم المتحدة.
ويشمل هذا المسار تسهيل الإجراءات المرتبطة بالمغادرة، بما يضمن إنجازها في ظروف سلسة ومنظمة.
وجدد المغرب في المناسبة ذاتها تمسكه بوقف إطلاق النار والتزاماته الدولية، مؤكداً أن انتهاء مهمة المينورسو لن يغير هذا الالتزام.
ويعكس هذا الموقف رغبة الرباط في الجمع بين تثبيت مقاربتها السياسية للملف وتدبير الانسحاب الأممي بالتعاون مع المنظمة الدولية.
ماذا يعني عملياً تفكيك بعثة أممية؟
وراء مصطلح «تصفية المينورسو» تختفي عملية إدارية ولوجستية معقدة، لا تختزل في مجرد مغادرة المراقبين العسكريين.
فالأمم المتحدة مطالبة بتدبير المعدات والآليات والمنشآت والالتزامات الإدارية المرتبطة بالبعثة.
وعند انتهاء ولايتها، كان يعمل ضمن المينورسو نحو 200 من الموظفين المدنيين والمراقبين العسكريين وضباط الأركان المنتمين إلى أكثر من 35 دولة.
وأعلنت الأمم المتحدة أن فريقاً مصغراً تابعاً لإدارة الدعم العملياتي سيتولى الإشراف على تصفية المعدات وترتيبات إنهاء المهمة.
وتطرح هذه العملية أسئلة بشأن الجدول الزمني لمغادرة الأفراد، ومصير المنشآت والمعدات، والكيفية التي ستُغلق بها المواقع الميدانية.
كما تبرز ضرورة التعامل والجوانب المرتبطة بالأمن والالتزامات الإدارية وضمان سلامة عمليات النقل.
ولم يُعلن، حتى الرابع من نونبر 2026، عن اكتمال الانسحاب الفعلي لجميع أفراد البعثة أو انتهاء مختلف مراحل التصفية.
ما بعد المينورسو.. ثلاثة أسئلة مفتوحة
مع بداية الانسحاب، تدخل قضية الصحراء مرحلة تتجاوز مجرد إنهاء مهمة أممية.
السؤال الأول يتعلق بالوضع الأمني: كيف ستتطور آليات مراقبة التوترات بعد مغادرة البعثة التي تولت، طوال عقود، توثيق التحركات العسكرية؟
أما السؤال الثاني، فيرتبط بمستقبل المسار السياسي داخل الأمم المتحدة، خصوصاً بعدما أكدت المنظمة الدولية استمرار استعدادها لمواكبة جهود الحل السلمي عبر المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا.
ويتمثل السؤال الثالث في الكيفية التي ستترجم بها التحولات الدبلوماسية إلى واقع اقتصادي وتنموي، في ظل المشاريع التي يعمل المغرب على تنفيذها بالأقاليم الجنوبية.
فبالنسبة إلى الرباط، يمثل انتهاء المهمة الأممية خطوة مهمة في مسار ترسيخ مقاربتها القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن انتهاء عمليات المينورسو لا يلغي استمرار الحاجة إلى تسوية سياسية للنزاع، داعية الأطراف المعنية إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد.
آخر دورية.. نهاية مهمة وبداية تاريخ جديد
بعد 35 عاماً، تتجه المينورسو إلى مغادرة الصحراء التي استقبلت مراقبيها سنة 1991.
ستُغلق مواقع ميدانية، وستغادر فرق عسكرية ومدنية، وستختفي تدريجياً بعض الرموز التي ارتبطت بالحضور الأممي في المنطقة.
لكن التاريخ الذي ستتركه البعثة خلفها أكبر من مواقع المراقبة والسيارات البيضاء.
فهو تاريخ استفتاء لم يُنظم، ومفاوضات لم تصل إلى اتفاق نهائي، وأزمات عسكرية ودبلوماسية، وبرامج إنسانية ساعدت عائلات على التواصل، وعمليات لإزالة الألغام من مناطق ظلت تحمل آثار الحرب.
وفي المقابل، عرفت السياسة المغربية تجاه الصحراء تحولات عميقة، من تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 إلى توسيع شبكة العلاقات الدولية والمشاريع الاقتصادية، وصولاً إلى المواقف الرسمية المعلنة عقب عدم تمديد ولاية المينورسو في أكتوبر 2026.
واليوم، ومع التعليمات الملكية بمواكبة انسحاب البعثة بالتنسيق مع الأمم المتحدة، تنتهي مرحلة عملياتية استمرت أكثر من ثلاثة عقود، بينما تتشكل ملامح مرحلة سياسية ودبلوماسية جديدة.
وربما تختزل صورة سيارة أممية بيضاء تغادر أحد المواقع الصحراوية المعنى الرمزي لهذه اللحظة: بعثة وصلت قبل 35 عاماً وهي تحمل وعداً بتسوية قريبة، وتغادر اليوم دون أن يتحقق ذلك الوعد.
وبين آخر دورية في الصحراء وأول خطوة في مرحلة ما بعد المينورسو، تبقى الرمال شاهدة على تاريخ طويل من السياسة والانتظار، وعلى تحولات لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد.
غير أن الثابت، في الوجدان المغربي، أن هذه الأرض الممتدة من طنجة إلى الكويرة تظل متشبثة بمغربيتها، ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وموصولة بروابط الانتماء والهوية والمصير المشترك بسائر ربوع الوطن.
وبين رحيل البعثات وتعاقب القرارات وتبدل موازين القوى، يبقى ارتباط الصحراء بالمغرب، في الرؤية الوطنية، حقيقة تتجاوز حسابات السياسة وتقلبات الدبلوماسية، لتجسد وحدة الأرض والإنسان والذاكرة.

