تكشف رواية الملك الراحل الحسن الثاني، الواردة في كتابه “ذاكرة ملك”، عن أحد المواقف السياسية اللافتة التي طبعت علاقته بالعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، بعدما رفض طلبه المشاركة في المسيرة الخضراء سنة 1975، رغم إعلانه دعمه للمغرب في مواجهة الوجود الاستعماري الإسباني بالصحراء.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى الفترة التي كان فيها المغرب يستعد لتنظيم المسيرة الخضراء، إذ بعث القذافي برقية رسمية إلى الملك الراحل، عبر فيها عن مساندته للمبادرة، وأبدى رغبته في التوجه إلى المغرب على رأس وفد ليبي للمشاركة في ما وصفه بمواجهة الاستعمار، باعتباره عدوا مشتركا.
لكن الحسن الثاني لم يستجب للطلب، في موقف عكس، بحسب روايته، حجم انعدام الثقة الذي كان يطبع علاقته بالزعيم الليبي، خصوصا في ظل الخلافات المرتبطة بملف الصحراء ودعم طرابلس لجبهة البوليساريو.
وفي كتابه “ذاكرة ملك”، استعاد الحسن الثاني تفاصيل هذا الموقف، مشيرا إلى أن القذافي ظل يتساءل عن أسباب رفض مشاركته، وهو ما عاد إلى طرحه خلال لقاء جمعهما بمدينة وجدة في 13 غشت 1984، بعد تسع سنوات من الواقعة.
وقال الملك الراحل إن القذافي أخبره خلال ذلك اللقاء بأنه لم يتمكن من فهم سبب رفضه طلب المشاركة في المسيرة الخضراء، رغم ما أبداه من دعم للمغرب في تلك المرحلة.
ورد الحسن الثاني بطرح سؤال مباشر على الزعيم الليبي، مستفسرا عما إذا كان سيقبل الانسحاب إلى جانب المشاركين المغاربة لو أصدر الملك أمرا بإنهاء المسيرة وعودة المتطوعين، وعددهم 350 ألف شخص.
وبحسب الرواية الواردة في الكتاب، أجاب القذافي بالنفي، مؤكدا أنه لم يكن ليتراجع عن المشاركة.
واعتبر الحسن الثاني أن هذا الموقف كان كافيا لتبرير رفضه، موضحا أن مشاركة القذافي كانت قد تضع المغرب أمام أزمة دبلوماسية خطيرة، إذ قال له إن عدم مشاركته كان أفضل من الاضطرار إلى إعادته إلى الحدود بواسطة عناصر الدرك، في حال رفض الامتثال لقرار إنهاء المسيرة.
وتعكس هذه الواقعة، وفق ما أورده الحسن الثاني في مذكراته، طبيعة التباعد السياسي بين الرباط وطرابلس، رغم محاولات القذافي إظهار دعمه للمغرب خلال مرحلة استعادة الصحراء من الاستعمار الإسباني.
ولم تتوقف الخلافات عند حدود تلك الواقعة، إذ استمر التوتر بين الطرفين على خلفية دعم النظام الليبي لجبهة البوليساريو، التي تلقت، وفق الرواية الواردة في المصدر، دعما عسكريا وماليا من ليبيا، في وقت كانت فيه علاقات طرابلس بالجزائر تشهد تقاربا سياسيا.
وهكذا، لم يكن رفض الحسن الثاني مشاركة القذافي في المسيرة الخضراء مجرد موقف بروتوكولي، بل عكس حسابات سياسية وأمنية مرتبطة بطبيعة المرحلة، ومخاوف الملك الراحل من أن تتحول مبادرة وطنية مغربية إلى مصدر خلاف مع أحد أبرز قادة المنطقة.

