عاد شبان مغاربة من مدينة سبتة حفاة ومتعبين، بعد ساعات أو يومين من محاولة عبور اعتقدوا أنها ستفتح أمامهم طريقا نحو أوروبا، ليصطدموا بواقع مدينة ضاقت بعشرات الآلاف، وأغلقت في وجوههم المتاجر ومنافذ العبور إلى إسبانيا القارية.
وخلف مشاهد العودة، التي اختلط فيها الجوع بالخيبة والخوف، برزت تساؤلات أكبر من قدرة الأسوار والحواجز على الإجابة عنها، حول كيفية تحرك هذا العدد الهائل من الشباب دفعة واحدة في مخاطرة غير مضمونة العواقب.
وقدرت السلطات الإسبانية عدد الذين دخلوا سبتة خلال 24 ساعة بنحو 50 ألف شخص عبر المسارات البحرية والبرية، بينما رفع رئيس حكومة المدينة التقدير إلى 60 ألفا، ما يعادل نحو 70 في المئة من ساكنتها.
وبعد أقل من ثلاثة أيام، قدرت قوات الأمن الإسبانية عدد الخارجين من المدينة في اتجاه الجانب المغربي بنحو 73 ألفا و500، مع احتمال احتساب أشخاص دخلوا قبل الموجة أو عبروا في الاتجاهين أكثر من مرة، بعدما تبين لهم أن الوصول إلى سبتة لا يعني بلوغ إسبانيا أو بقية أوروبا.
ولم يكن الطريق القصير بين الفنيدق وسبتة آمنا، حيث أعلنت السلطات الإسبانية ارتفاع حصيلة الوفيات إلى 72 شخصا، قضوا غرقا أو جراء التدافع قرب الحاجز البحري، ما حول محاولة العبور الجماعي إلى واحدة من أكثر حوادث الهجرة دموية في المنطقة.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي، عبد الله أبو عوض، أن التركيز على لغة الأرقام لا يكفي لفهم ما وقع.
وأوضح أبو عوض أن ما شهدته سبتة “لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد حادث أمني أو موجة هجرة عابرة، بل هو مؤشر يستحق قراءة سياسية واجتماعية عميقة”.
وأظهرت شهادات العائدين أن غالبيتهم لم يكونوا جزءا من شبكات الهجرة التقليدية، بل يتحدرون من مهن كالعمل في المخابز والبناء والخدمات، وتركوا وظائفهم إثر انتشار تسجيلات على شبكات التواصل الاجتماعي توحي بأن الطريق نحو أوروبا بات مفتوحا.
وبمجرد وصولهم إلى سبتة، وجدوا مراكز استقبال ممتلئة، وأسعارا لا يقدرون عليها، ومناخا من التوتر. وصرح شبان أنهم عاشوا على الماء فقط، بينما وصف أحدهم المدينة بأنها “سجن” بعد تعذر مواصلة الرحلة أو إيجاد مأوى.
ويرى أبو عوض أن الخديعة التي صنعتها التسجيلات المتداولة لا تفسر وحدها استعداد الآلاف لتصديقها والتحرك في توقيت واحد، معتبرا أن قرار المخاطرة بالحياة “يعكس حجم التحديات المرتبطة بالتشغيل، والعدالة الاجتماعية، والثقة في آفاق التنمية”.
وبينما نجحت القوات المغربية في وقف تدفقات جديدة واستعادة السيطرة على محيط الفنيدق، وأسهم التنسيق المغربي الإسباني في عودة غالبية العابرين، فإن الهدوء الحدودي لم ينه التساؤلات المطروحة حول الأسباب التي تدفع الشباب لتفضيل خيار البحر والسياج على البقاء وانتظار الفرص داخل بلدهم.
ويؤكد أبو عوض أن إدارة الحدود تظل “مسؤولية سيادية للدول”، لكنه يحذر من تحويل الأمن إلى الجواب الوحيد عن ظاهرة تتغذى من البطالة وهشاشة الأجور وضعف الثقة في إمكان تحسين الوضع الاجتماعي.
وأضاف أن “المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الظاهرة على المدى البعيد”، مشددا على أن التحدي يكمن في سياسات عمومية تمنح الشباب فرص شغل وتكوينا يفضي إلى عمل، بدل أن تظل برامج الإدماج بعيدة عن احتياجاتهم اليومية.
وعلى المستوى الإقليمي، دفع حجم العبور بلدانا أوروبية إلى المطالبة باجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، وسط خلاف حول مسؤولية إسبانيا عن حماية حدود فضاء شنغن. ورد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، باتهام شركائه باستغلال الأزمة سياسيا.
لكن هذا السجال الأوروبي لا يغير طبيعة النقاش المطروح داخل المغرب؛ فالعائدون من سبتة لم يعودوا مهاجرين مجهولين في نشرات الأخبار، بل عادوا إلى أسرهم وأحيائهم وهم يحملون آثار تجربة انتهت بالجوع والإهانة وموت العشرات.
ويرفض أبو عوض الخطاب الذي يحصر هؤلاء بين وصفين؛ ضحايا بلا مسؤولية أو متهمين بخيانة بلدهم، داعيا إلى إبعاد النقاش العمومي عن التبسيط والتخوين، نظرا لتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والإقليمية في الهجرة غير النظامية.
ومع تراجع الحشود التي ملأت الشوارع والشواطئ وفتح بعض المتاجر أبوابها، بدأت سبتة تستعيد نشاطها. غير أن عودة الهدوء لا تعني أن الأزمة انتهت.
فما أغلقته القوات خلال ساعات عند البحر والأسوار، أعادت صور العائدين فتحه داخل المغرب، حيث بات مطلوبا تفسير كيف فقد هذا العدد من الشباب ثقته في الانتظار.
ويخلص أبو عوض إلى أن أي نقاش مسؤول يجب أن يبدأ من “تشخيص موضوعي للأسباب”، مؤكدا أن “كرامة الإنسان وحقه في الأمل لا يقلان أهمية عن حماية الحدود واحترام القانون”.

