لم تحتج حكومات اليمين الأوروبي إلى وقت طويل لتحويل موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة من أزمة حدودية إلى سلاح سياسي موجه ضد حكومة بيدرو سانشيز، أحد آخر رؤساء الحكومات اليسارية الباقين في الاتحاد الأوروبي.
فبعد ساعات من وصول عشرات الآلاف إلى المدينة، أعلنت حكومة جورجيا ميلوني فرض مراقبة مؤقتة على رعايا الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي القادمين من إسبانيا عبر الموانئ والمطارات، بينما تعالت دعوات يمينية لتعليق مشاركة مدريد في فضاء شنغن.
وجاءت هذه التحركات رغم عودة أكثر من 50 ألف شخص طوعا إلى باقي التراب المغربي، ورغم تأكيد مدريد وبروكسل عدم انتقال الوافدين إلى شبه الجزيرة الإيبيرية أو إلى دول أوروبية أخرى.
لكن غياب تدفق فعلي نحو أوروبا لم يمنع إيطاليا وقوى يمينية أخرى من رفع سقف المواجهة، في مؤشر على أن الأمر يتجاوز المخاوف الأمنية إلى صراع أيديولوجي حول موقع إسبانيا داخل القارة.
وتقود حكومة سانشيز واحدة من آخر التجارب الحكومية اليسارية الكبرى داخل الاتحاد، بعد صعود المحافظين واليمين القومي في عدد متزايد من الدول.
كما يصنف رئيس الوزراء الإسباني ضمن أبرز القادة الأوروبيين المدافعين عن استقبال المهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منهم، في مواجهة نهج يقوم على إغلاق الحدود وتشديد الترحيل.
ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة سبتة فرصة للضغط على حكومة تمثل نقيضا سياسيا لحكومات اليمين الأوروبي. فسانشيز يدافع عن الضرائب الاجتماعية، وحقوق العمال، وتسوية أوضاع المهاجرين، والاعتراف بدولة فلسطين، بينما تتحرك حكومات بقيادة ميلوني لتكريس نموذج قومي محافظ يجعل الهجرة والأمن والهوية في صدارة خطابه.
ولا يعني ذلك وجود خطة أوروبية معلنة لإسقاط الحكومة الإسبانية، لكن سرعة توظيف الأحداث، والمبالغة في تصوير خطر انتقال المهاجرين، والمطالبة بعزل مدريد داخل شنغن، تكشف أن الخلاف لم يعد تقنيا بشأن الحدود.
وقالت حكومة ميلوني إن إجراءاتها تستهدف حماية الأمن القومي، وستشمل عمليات تفتيش انتقائية للقادمين من إسبانيا لمدة شهر، من دون أن تطال الإسبان أو بقية مواطني الاتحاد الأوروبي.
غير أن روما لا تتقاسم حدودا برية مع إسبانيا، كما لم تسجل السلطات وصول مهاجرين من سبتة إلى الأراضي الإيطالية، ما منح القرار طابعا رمزيا وسياسيا يفوق أثره العملي.
ورأت المعارضة الإيطالية أن ميلوني تستغل الأزمة لمواجهة ضغوط قوى أشد تطرفا داخل معسكرها، بينما اتهمت مدريد الحكومة الإيطالية بممارسة “ديماغوجية حزبية” ومحاولة إثارة الخوف من دون وجود خطر مباشر على أراضيها.
وامتدت الحملة إلى داخل إسبانيا، حيث طالب الحزب الشعبي بتغيير قانون الأجانب واستدعاء سانشيز أمام البرلمان، فيما وصف مسؤولون محافظون موجة العبور بأنها “غزو”، وحملوا الحكومة مسؤولية ما حدث.
وبذلك، تلاقت ضغوط اليمين الإسباني مع مواقف حكومات أوروبية محافظة، ما وضع سانشيز بين جبهتين تسعيان إلى ربط الأزمة بسياساته المتعلقة بالهجرة.
وكانت الحكومة الإسبانية قد فتحت مسطرة استثنائية لتسوية أوضاع مهاجرين أقاموا داخل البلاد مدة خمسة أشهر على الأقل قبل الأول من يناير 2026، وتلقت أكثر من مليون طلب قبل انتهاء المهلة.
وتقول مدريد إن البرنامج يهدف إلى إخراج العمال من الاقتصاد غير المهيكل، وتمكين قطاعات تعاني نقصا في اليد العاملة من توظيف أشخاص موجودين أصلا داخل البلاد.
لكن خصوم سانشيز يقدمون التسوية باعتبارها “عامل جذب”، رغم أن شروطها تستبعد من وصلوا بعد بداية سنة 2026، ومن بينهم المشاركون في موجة العبور إلى سبتة. ولم تظهر أدلة تثبت وجود علاقة مباشرة بين البرنامج الحكومي والتحرك الجماعي.
وتقول السلطات الإسبانية إن شبكات تهريب البشر وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي استغلت حكما صادرا عن المحكمة العليا، وروجت لتفسير مضلل يفيد بأن الوصول إلى سبتة سباحة يمنع الإعادة.
ويقضي الحكم باحترام المساطر القانونية عند التعامل مع الواصلين بحرا، ولا يمنح حقا آليا في الإقامة أو الانتقال إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
ورغم احتواء الموجة خلال أقل من يومين، استمرت الدعوات إلى تعليق وضع إسبانيا داخل شنغن، في وقت لا يمنح فيه القانون الأوروبي دولة عضوا حق طرد دولة أخرى أو تعليق عضويتها بقرار منفرد.
ويسمح قانون حدود شنغن بإعادة المراقبة مؤقتا عند وجود تهديد خطير للأمن أو النظام العام، لكنه يشترط أن يكون الإجراء استثنائيا ومتناسبا ومحدود المدة، وأن تبلغ به المفوضية الأوروبية وبقية الدول الأعضاء.
ولهذا تواجه إسبانيا ضغوطا سياسية أكثر مما تواجه خطر الخروج من شنغن. فالمعركة تدور حول إضعاف حكومة سانشيز، وتقديم مقاربتها للهجرة باعتبارها تهديدا مشتركا، ودفع مدريد إلى التخلي عن أحد أبرز الملفات التي تميزها عن اليمين الأوروبي.
كما يمنح تشديد المراقبة خصوم سانشيز فرصة لمحاصرته داخليا قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة سنة 2027، بينما يسعى الحزب الشعبي وحزب فوكس إلى إنهاء تجربة الحكم الائتلافي بين الاشتراكيين وقوى اليسار.
وكان سانشيز قد اتهم بعض الحكومات الأوروبية بالتصرف بأنانية واستغلال الأزمة لتأجيج الاستقطاب، مؤكدا أن إسبانيا تعد من أقل الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تسجيلا للدخول غير النظامي، وأن عدد الوافدين إليها خلال السنوات الأخيرة يظل أقل من المسجل في إيطاليا.
ويكشف التصعيد أن سبتة أصبحت نقطة اشتباك في مواجهة أوسع داخل أوروبا. ففي جانب، تدافع مدريد عن الدمج وتسوية الأوضاع والتعاون مع دول المنشأ. وفي الجانب الآخر، يدفع اليمين نحو الحدود المغلقة، والردع، وترحيل المهاجرين، واعتبار كل تسوية حافزا على مزيد من الوصول.
وعليه، لا تستهدف حملة اليمين الأوروبي طريقة إدارة مدريد لأزمة عابرة فقط. إنها تضغط على حكومة تمثل أحد آخر مراكز الثقل اليسارية داخل الاتحاد، وتسعى إلى خنق نموذج سياسي ما زال يقاوم التحول المحافظ الذي يطبع القارة.

