تتجه حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي نحو مرحلة حرجة، مع تصاعد الإجراءات الحدودية وتشديد المراقبة في عدد من الدول، ما يهدد واحدة من أبرز ركائز مشروع التكامل الأوروبي المتمثلة في اتفاقية شنغن.
أصبحت بولندا ثاني دولة بعد ألمانيا تعيد فرض عمليات تفتيش على حدودها، في خطوة أثارت مخاوف من “وفاة سريرية” لمعاهدة شنغن التي دخلت حيز التنفيذ عام 1995، وساهمت في تسهيل حركة الأفراد والتجارة والسياحة بين الدول الأوروبية.
وبدأت وارسو، اعتبارا من السابع من يوليوز، بتنفيذ عمليات تفتيش عشوائية على المسافرين القادمين من ألمانيا، في إطار حملة تقول الحكومة إنها تهدف إلى الحد من الهجرة غير النظامية عبر دول البلطيق.
اعتبرت صحيفة “زودويتشه تسايتونغ” الألمانية هذه التحركات محاولة من الحكومات لتقديم نفسها بمظهر حازم تجاه المهاجرين بهدف احتواء المد الشعبوي، لكنها حذرت من أن هذه الإجراءات “تزرع شعورا بأن الأمن لا يتحقق إلا بإغلاق الحدود”، وهو ما قد يقوض الروح الأوروبية الجامعة.
في المقابل، كتبت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية أن ما كان يفترض أن يكون استثناءً أمنيا في حالات الطوارئ بات يتحول إلى أداة روتينية، مشيرة إلى غياب موقف حاسم من المفوضية الأوروبية التي يفترض أن تحمي مبادئ شنغن.
ومنذ أن أمر المستشار الألماني فريدريش ميرتس بتشديد الرقابة على حدود بلاده، سجلت الشرطة نحو 7960 حالة دخول غير قانوني، وتم ترحيل أكثر من 6 آلاف شخص. تبع ذلك إعلان بولندا فرض قيود على حدودها مع ألمانيا وليتوانيا، بذريعة مواجهة “الهجرة غير الشرعية” عبر بيلاروسيا.
صحيفة “نويه تسوريخرتسايتونغ” السويسرية رأت في هذه الإجراءات مؤشرا على تصاعد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لتعزيز حماية حدوده الخارجية، محذرة من “تأثير الدومينو” إذا ما قررت دول أخرى فرض قيود مماثلة.
أثرت الرقابة الحدودية سلبا على العلاقات بين ألمانيا وبولندا. ففي مشاهد تتكرر على المعابر، تقوم الشرطة البولندية بإيقاف المركبات القادمة من ألمانيا لتفتيشها، ما أدى إلى ازدحامات وتأخير حركة المرور. التركيز ينصب على الحافلات والسيارات الصغيرة والمركبات ذات النوافذ المعتمة.
محاولات التهدئة لم تنجح. بولندا رفضت اقتراحا ألمانيا بإجراء عمليات تفتيش مشتركة. وبدلا من تعزيز التعاون الحدودي، تصاعد التوتر السياسي. في الداخل البولندي، استغلت المعارضة اليمينية الموقف لتأجيج المشاعر المناهضة للمهاجرين ولبرلين.
وفي برلين، انتقدت نقابة الشرطة الألمانية هذه الإجراءات، ووصفت نتائجها بـ”الهزيلة”. وقال رئيس النقابة أندرياس روسكوبف إن عدد حالات الرفض لا يبرر الجهد الهائل المبذول، إذ تطلبت 285 حالة رفض أكثر من 2.8 مليون ساعة عمل إضافية.
وبحسب “تاغسشاو”، فإن دولا مثل فرنسا، هولندا، إيطاليا، النمسا، السويد، والنرويج بدأت أيضا بعمليات تفتيش حدودية، فيما تستعد بلجيكا للانضمام إليها قريبا. وتعوّل بروكسل على تطبيق حزمة اللجوء والهجرة بحلول صيف 2026 لإنقاذ حرية التنقل داخل التكتل.
ورغم غياب أزمة هجرة فعلية، يرى مراقبون أن ما تواجهه أوروبا اليوم هو أزمة سياسية يغذيها الخطاب الشعبوي، مستهدفا اتفاقية شنغن التي كانت رمزا للوحدة الأوروبية، وأضحت اليوم عنوانا لأزمة هوية داخل القارة.

